تكامل أدوار مواقع التواصل الاجتماعي ولجان المقاومة

تكامل أدوار مواقع التواصل الاجتماعي ولجان المقاومة

لجان المقاومة السودانية (Getty)

لا تزال تجربة ثورة كانون الأول/ديسمبر2019 حيِّة وماثلة أمامنا بكل زخم احتجاجاتها ومواكبها واعتصاماتها، وذلك على الرغم من مرور عام على اندلاع شرارتها الأولى. كما أن الزخم الثوري لهذه التجربة دائم التجدُّد من خلال حرص لجان المقاومة على حماية الثورة والدفاع عن مكتسباتها، حيث تُمارس هذه اللجان شتى أشكال الضغوط على حكومة الفترة الانتقالية ودفعها دفعًا في اتجاهات تحقيق مطالب الناس وأهداف الثورة. ولعل التكامل بين أدوار مواقع التواصل الاجتماعي وأدوار لجان المقاومة، هي ما شكَّل علامة تاريخية حاسمة وغير مسبوقة في تاريخ الاحتجاجات الشعبية والحِراكات الاجتماعية في السودان. لكننا نتساءل الآن عن اختلاف الأدوار في المرحلة الانتقالية عن سابقتها في أطوار الحشد والتعبئة والتنظيم والاحتجاج. وذلك لأن هذه المرحلة لا تقل حساسيِّة عن مرحلة الثورة في أطوارها الاحتجاجية. فدعونا نطرح التساؤل الآتي: هل بالإمكان خلق أدوار متجددة تتناسب مع كل طور من أطوار الثورة والانتقال الذي يهدف برنامجه السياسي والاقتصادي إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة وتخفيف حدة الضائقة المعيشية وتحسين الأوضاع بشكل عام؟

من مصلحة قوى الثورة إحداث تغيير جذري في علاقات القوة والهيمنة المختلة والمنحازة للفئات التي ظلَّت تسيطر على جهاز الدولة لأكثر من نصف قرن.

إن هذه الأسئلة وأخريات ستظل تطرح نفسها بشكل مُتجدِّد طوال ما تبقى من سنوات الفترة الانتقالية الثلاث، وذلك كلما تفكَّرنا بعمق في تجربة ثورة كانون الأول/ديسمبر، محاولين الإحاطة بأدبياتها وأدواتها ومساراتها، متسائلين دومًا إن كان هذا الزخم الثوري سيفضي في خاتمة المطاف إلى تحقيق أهداف الثورة أم لا؟

اقرأ/ي أيضًا: ديماغوغية "موكب الزحف".. أو أفول الإسلاموية

لقد تكاملت الأدوار المحورية لمواقع التواصل الاجتماعي مع الأدوار الطليعية للجان المقاومة طوال أطوار ومراحل الثورة. وفي كل طور من أطوار الاحتجاجات كانت هذه الأدوار تتكامل أكثر وتُرسِّخ من عمليات التعبئة والتحشيد والتنظيم والتحريك. فمن الملاحظ في مرحلة اعتصام ساحة القيادة العامة أن أدوار لجان المقاومة تركَّزت في العمل على تجذير قاعدة المطالب وتوسيع نطاق مشاركة قوى الثورة الحقيقية التي كانت في تلك الفترة في طور النمو. وهي قوى يتشكَّل قوامها من فئات شعبية واسعة من فقراء الريف والحضر وضحايا النزاعات والحروب والشباب العاطلين عن العمل. فمن مصلحة هذه القوى إحداث تغيير جذري في علاقات القوة والهيمنة المختلة والمنحازة للفئات التي ظلَّت تسيطر على جهاز الدولة لأكثر من نصف قرن. فعلى النقيض من الأحزاب التي ظلَّت تُعبِّر بشكل نخبوي معزول عن المطالب والمظالم من خلال برامجها وخطاباتها السياسية، نجد أن لجان المقاومة أخذت تعمل على تجسيد وعيها السياسي بهذه المطالب والمظالم من خلال الانخراط اليومي والمباشر في معالجة المشكلات في القرى والفرقان والأحياء الشعبية. فالتقارب الذي خلقته علاقات السُكنى والجوار والمعايشة اليومية بين الفاعلين داخل هذه اللجان حال دون اتساع حيز التناقض بين مستويات وعي الفاعلين قاعديًا وبين مواقفهم تجاه المطالب القاعدية نفسها (توفير خبز، مياه شرب وكهرباء، توطين نازحين... إلخ). وعلى النقيض من الأدوار والممارسات التي تضطلع بها لجان المقاومة كأجسام قاعدية، فإن الأحزاب السياسية تظل ممارساتها أسيرة للصراعات الفوقية وتجديد محاور خلق المناوارات وتكوين التحالفات. فعلى سبيل المثال، شهدت لجان المقاومة مع استئناف عملية التفاوض بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري بعد مجزرة القيادة في 3 حزيران/يونيو 2019 صراعات ذات طابع حزبي. فقد حاولت بعض الأحزاب فرض توجهاتها السياسية على هذه اللجان تمهيدًا للهيمنة الكلية عليها وتحويلها من ثم إلى قنوات مستقبلية لتمرير أجندة الحملات الانتخابية في مرحلة ما بعد الفترة الانتقالية. لكن سرعان ما تم تحيِّيد بعض هذه الصراعات، على وجه الخصوص في بعض لجان أم درمان، لكن التوجهات والاستقطابات عادت مرة أخرى تفرض نفسها على عمل اللجان.

اقرأ/ي أيضًا: الدعم السريع.. حصاد دولة ما بعد الاستقلال

إن أي محاولات لحرف المسار القاعدي لإدوار اللجان نحو مسار سياسي صرف لتنظيم عملها، من خلال تصميم برنامج سياسي لها، سيؤدي حتمًا إلى حالة من الاستقطابات والانقسامات والصراعات الحزبية الدائمة داخل اللجان. إن فاعلية علاقات القوى القاعدية يمكن أن تسهم في إكمال عملية نضج الشروط الموضوعية لمرحلة القطيعة التاريخية والثقافية مع البنى الاستبدادية التي ظلّت تغذي أوردة وشرايين العنف الكامن في جهاز الدولة، حيث ظلَّت الفئة المهيمنة تستخدم هذا الجهاز في الإفقار والتجويع والهدر وخلق النزاعات وشن الحروب. وعلى النقيض من ذلك، نجد أن علاقات القوى الحزبية تعمل صراعاتها النخبوية والفوقية وتحالفاتها المصلحية والنفعية على الإحياء المتجدد للبنى الاستبدادية، وذلك حتى لو تغيرت شروط اللعبة السياسية، طالما الصراع السياسي الفوقي، يستتبع الإقصاء والاستبعاد والإزاحة من حيز الهيمنة الذي يُشكِّل حاضنة لعمليات إعادة تشكيل جهاز الدولة لصالح الفئات المسيطرة.

إن هذه اللجان ذات طبيعة اجتماعية/ثورية أكثر من كونها سياسية بالمعنى الحزبي الضيق. إذ يطغى التجانس العفوي على عملية التنظيم والتشبيك القاعدي والحركة الأفقية وسط الفئات الشعبية، معززًا بالتناغم في التواصل والمشاركة اليومية في التفاصيل الحياتية العادية المشتركة بين أهالي الحي أو القرية أو الحِلة. إن النمط الرفاقي والشوارعي للحياة الشبابية أفرز مستويات وعي متقاربة وإدراكات ومواقف سياسية يحكمها التناغم الناتج عن حس الرفقة اليومية وتجلياتها الحيوية المرحة.

اقرأ/ي أيضًا: الثورة السودانية.. حراكُ مستلهٌم من إرثٍ تليد

من جانبها ساعدت مواقع التواصل الاجتماعي لجان المقاومة في العمل التنظيمي والتشبيك بين عمل اللجان المشترك في القرى والفُرقان والأحياء الشعبية، كما ساهم العمل القاعدي اليومي لهذه اللجان في تقليل الفجوة بين طبيعة النقاشات والسجالات الإسفيرية الفوقية وبين طرح المطالب الشعبية والعمل على تحقيق أهداف الثورة بشكل ملموس. فالطابع الغالب لهذه النقاشات والسجالات ميَّال إلى التعبير عن هذه المطالب والقضايا الأخرى بشكل مجرَّد، هدفه الاستهلاك اللحظي والآني دون توليد أفكار جديدة وموجهات عمل جديدة ومبتكرة. والدليل على ذلك، موت الكثير من المبادرات السياسية والاجتماعية والثقافية التي انبثقت تباعًا مستلهمة تجربة اعتصام القيادة. لأن هذه المبادرات كانت تقف عند حد طرح الأفكار والنقاشات والتكوين، موظفة بعض التطبيقات كأداة تنظيمية وحوارية، دون الانخراط في الواقع بمهام محددة لتحقيق أهداف المبادرة أو الحركة الاجتماعية الوليدة.  وذلك على الرغم من أن نجاح احتجاجات ثورة كانون الأول/ديسمبر اعتمد على عمل اللجان الميداني اليومي في توظيفها للوسائط الإسفيرية كأدوات تعبوية وتنظيمية وتشبيكية، مما قلل من حدة الجدالات والسجالات الفوقية والمعزولة عن العمل اليومي المعاش، في الأسافير.

النجاح الملحمي لمواكب 30 حزيران/يونيو 2019، كان سببه أن قطع الإنترنت من قبل المجلس العسكري كان قد اصطدم بالقدرات التنظيمية الأفقية والميدانية الفائقة التي بنتها لجان المقاومة

في فترات القبضة الأمنية الشديدة ساهم تطبيق "واتس آب" لجان المقاومة على التواصل وتوزيع المهام الميدانية أثناء القيام بحملات النظافة وإصحاح البيئة، حيث كانت تعقد الاجتماعات أثناء ذلك. وعلى الأقل، كان هذا الملمح العام للعلاقة التكاملية بين أدوار لجان المقاومة ومواقع التواصل الاجتماعي طوال مرحلة الاحتجاجات العاصفة حتى اعتصام القيادة في 6 نيسان/أبريل الذي أفضى إلى سقوط النظام في 11 من ذات الشهر، 2019. ويشير معظمنا إلى أن النجاح الملحمي لمواكب 30 حزيران/يونيو 2019، سببه أن قطع الإنترنت من قبل المجلس العسكري كان قد اصطدم بالقدرات التنظيمية الأفقية والميدانية الفائقة التي بنتها لجان المقاومة. دون أي إنكار بأن صدمة مجزرة القيادة العامة كانت هي الدافع الخفي والفعَّال الموجه نحو التعبئة والتنظيم والتحشيد التي أنتجت ذلك اليوم المفصلي في تاريخ ثورة الشعب المجيدة.

 

اقرأ/ي أيضًا

بروفايل ثوري.. سلسلة كتابات لا نهائية

ألتراس.. التوقيت الثوري في الهلال