ultracheck
سياسة

ترامب والسودان خلال 2025.. وقف المساعدات وتعثر المبادرات

20 يناير 2026
ترامب والسودان
(الصور: غيتي)
عامر صالح
عامر صالح كاتب وصحفي من السودان

بعد دقائق من إعلان فوز دونالد ترامب بولاية رئاسية ثانية في نوفمبر 2024، سارع طرفا الحرب في السودان إلى تهنئة الرئيس السابع والأربعين للولايات المتحدة، ولحق بهما عدد من القادة والقوى السياسية. جاءت هذه التهاني في سياق توقعات بحدوث تحولات كبيرة في المشهدين المحلي والدولي مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، بعد فترة رئاسية أولى أثارت الجدل من اللحظة الأولى وحتى ما صار يُعرف لاحقًا باسم "أحداث الكابيتول".

على الرغم من موجة التهاني والاهتمام الرسمي، لم تكن أولى قرارات ترامب بعد توليه الحكم في يناير 2025 في صالح السودانيين

وشملت التهاني المُرسلة من السودان رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وحاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، إلى جانب الجبهة الثورية السودانية، وتجمع قوى تحرير السودان، وتنسيقية القوى المدنية الديمقراطية "تقدم"، وقوى الحرية والتغيير. وتعكس هذه الرسائل استقراءً لاحتمالات تغيّر مقاربة واشنطن للملف السوداني، فضلًا عن مخاوف من أسلوب ترامب غير المتوقع في إدارة الأزمات داخليًا وخارجيًا، لا سيما في ظل انخراط الولايات المتحدة، منذ إدارة جو بايدن، في جهود الوساطة بشأن السودان إلى جانب السعودية ومصر والإمارات.

الصدمة الأولى

وعلى الرغم من موجة التهاني والاهتمام الرسمي، لم تكن أولى قرارات ترامب بعد توليه الحكم في يناير 2025 في صالح السودانيين. إذ أعلن تقليص المساعدات الأميركية والمساهمات المقدمة للمنظمات الإغاثية الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة ووكالاتها، إلى جانب حل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID). ويعتمد قطاع واسع من السودانيين على المساعدات الإنسانية التي تقدمها المنظمات المحلية والدولية، في ظل حرب شردت نحو ثلث السكان وحرمت الملايين من مصادر دخلهم.

وتجلّت الصدمة الأولى في توقف عدد كبير من المطابخ الجماعية التي كانت تقدم الغذاء المجاني للمحتاجين، في بلد يقف على حافة المجاعة منذ سنوات. وأطلقت منظمات إنسانية عاملة في السودان نداءات استغاثة عاجلة للتحذير من تدهور خطير في الأمن الغذائي، عقب القرارات التنفيذية التي وقعها الرئيس الأميركي بعد دقائق من أدائه القسم في مبنى الكابيتول، في 20 يناير 2025. وما تزال الأمم المتحدة والوكالات العاملة في البلاد تشتكي من ضعف التمويل، وغياب البدائل بالنسبة للسكان والنازحين.

وُصفت تحركات إدارة ترامب تجاه الأزمات الإنسانية في العالم بـ"اللامبالاة"، بل وأكثر من ذلك، إذ فقد عشرات الملايين الأمل في الحصول على الغذاء والدواء

وانتقد مراقبون ووسائل إعلام قرارات الإدارة الأميركية بشأن المساعدات، لجهة غياب بدائل واضحة، وعدم الاكتراث بمعاناة الناس. ووُصفت تحركات إدارة ترامب تجاه الأزمات الإنسانية في العالم بـ"اللامبالاة"، بل وأكثر من ذلك، إذ فقد عشرات الملايين الأمل في الحصول على الغذاء والدواء الذي كانت تقدمه الجهات الإنسانية، وكان السودان من ضمن أكبر المتأثرين، إذ تمر البلاد بما وُصف بـ"الأزمة الإنسانية الأكبر في العالم اليوم"، في ظل احتياجات متزايدة للسكان بسبب الحرب، وحركة نزوح مستمرة.

فلسطين في الصورة

ولم تدم أجواء الود طويلًا. ففي مارس 2025، كشفت تسريبات صحفية عن رفض الحكومة السودانية طلبًا أميركيًا لاستضافة فلسطينيين على أراضيها، ضمن خطط تهجير لوّحت بها إدارة ترامب. ونقلت وكالة "أسوشيتد برس" عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين قولهم إن الولايات المتحدة وإسرائيل تواصلتا مع مسؤولين في ثلاث دول بشرق أفريقيا، من بينها السودان، لمناقشة استخدام أراضيها كوجهات محتملة لنقل فلسطينيين من قطاع غزة، في إطار خطة ترامب لما بعد الحرب.

شدد المسؤولون على أن الحكومة السودانية رفضت المقترح فورًا، ولم يُطرح مجددًا. وهو ما أكدته وزارة الخارجية السودانية

وأكد مسؤولون سودانيون للوكالة الأميركية رفض الخرطوم لهذه المحاولات، مشيرين إلى أن إدارة ترامب تواصلت مع السلطات السودانية لبحث قبول الفلسطينيين. وقال أحد المسؤولين إن الاتصالات بدأت حتى قبل تنصيب ترامب، وتضمنت عروضًا بتقديم مساعدات عسكرية في مواجهة قوات الدعم السريع، ودعم جهود إعادة الإعمار بعد الحرب، إلى جانب حوافز أخرى.

وشدد المسؤولون على أن الحكومة السودانية رفضت المقترح فورًا، ولم يُطرح مجددًا. وهو ما أكدته وزارة الخارجية السودانية، مجددة التزام الخرطوم بالموقف العربي الرافض لتهجير الفلسطينيين خارج أراضيهم.

الرباعية الدولية

ومنذ تولي إدارة ترامب، بدا واضحًا تضارب المصالح بين حلفاء الولايات المتحدة في ما يتعلق بالسودان؛ إذ تُتهم دولة الإمارات العربية المتحدة بدعم قوات الدعم السريع، في حين تساند جمهورية مصر العربية بقاء مؤسسات الدولة السودانية ووحدتها، وعلى رأسها الجيش الوطني الذي يقاتل الدعم السريع، بينما تركز السعودية على أمن البحر الأحمر، متبنية نهجًا أقرب إلى مصر من الإمارات.

خارطة الطريق التي أعلنتها الرباعية نصت على هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، يعقبها وقف إطلاق نار يمتد لتسعة أشهر، يمهد خلاله لحوار سياسي يقود إلى فترة انتقالية بقيادة مدنية تُفضي إلى انتخابات

وفي يوليو 2025، تسربت أنباء عن اجتماع في واشنطن لوزراء خارجية دول الرباعية، لوضع اللبنات الأولى لإطار وساطة جديد في الأزمة السودانية. وتمثلت أبرز محطات هذا المسار في الإعلان عن خارطة طريق لوقف الحرب، وردت في بيان مشترك صدر في سبتمبر 2025، نص على هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، يعقبها وقف إطلاق نار يمتد لتسعة أشهر، يمهد خلاله لحوار سياسي يقود إلى فترة انتقالية بقيادة مدنية تُفضي إلى انتخابات.

غير أن هذه الخارطة تعثرت بطبيعة الحال، في ظل تمسك الأطراف السودانية بمواقفها، وتفضيلها الخيار العسكري على تنفيذ بنودها، فضلًا عن تأثر المسار ذاته بالتناقضات بين مكونات دول الرباعية.

طلب سعودي

وفي 19 نوفمبر 2025، أعلن دونالد ترامب خلال كلمته في منتدى الاستثمار الأميركي - السعودي، وبحضور ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، أنه قرر الشروع في معالجة ملف النزاع في السودان بناءً على طلب مباشر من ولي العهد، مشيرًا إلى أن الملف لم يكن ضمن أولوياته سابقًا. وقال إن الأمير محمد بن سلمان طلب منه "القيام بشيء قوي جدًا" بشأن السودان، ما دفعه "للبدء في التحرك فورًا"، مضيفًا: "سنبدأ العمل في ملف السودان، وقد شكرني ولي العهد على ذلك".

دونالد ترامب: الأمير محمد بن سلمان طلب مني "القيام بشيء قوي جدًا" بشأن السودان

وأوضح ترامب أنه رغم "ثقته" في قدرته على تسوية النزاعات، فإن حديث ولي العهد عن خطورة الوضع في السودان وتاريخه وثقافته دفعه لإعادة النظر في موقفه والتحرك بسرعة.

ومع ذلك، لم تُترجم هذه التصريحات إلى توجهات واضحة، إذ واصل كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، مسار الرباعية الدولية، ليضغط من أجل وقف الحرب في السودان، دون توضيحات تناقش مستقبل قوات الدعم السريع، أو اليوم التالي للحرب في ظل المرارات الكبيرة التي يحملها السودانيون.

ترامب والسودان

وفي أول رد فعل على إعلان دونالد ترامب عزمه التحرك في ملف الأزمة السودانية بطلب من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، عبر رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، عبر حسابه على منصة "تويتر"، عن شكره للرئيس الأميركي وولي العهد السعودي، في رسالة حملت إشارات إيجابية إلى ترحيب محلي بمبادرة أميركية - سعودية، خارج إطار الرباعية الدولية التي تتحفظ الحكومة السودانية على مشاركة دولة الإمارات فيها.

وعلى الرغم من محاولات التقارب، إلا أن الرئيس الأميركي لم يعفِ السودانيين من الحظر على الدخول إلى الولايات المتحدة، فظل اسم السودان يتكرر في قوائم الجنسيات الممنوعة من الدخول إلى أميركا، وعملت إدارة ترامب على عرقلة حصول الأشخاص من الأصول السودانية على الجواز والإقامة الدائمة، وحتى حق اللجوء في بعض الحالات.

وفي خطوة رأى فيها مراقبون دلالة دبلوماسية، وجه الرئيس الأميركي، الجمعة 16 يناير 2026، رسالة إلى نظيره المصري عبد الفتاح السيسي، عارضًا وساطته في أزمة سد النهضة مع إثيوبيا، مع إرسال نسخ إلى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ورئيس دولة الإمارات محمد بن زايد، ورئيس إثيوبيا تاي أتسكي سيلاسي، ورئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان. وقد رحب الأخير بالمبادرة، مؤكدًا في منشور أن "حكومة السودان ترحب وتدعم مبادرة ووساطة الرئيس ترامب حول مياه النيل، لإيجاد حلول مستدامة ومرضية تحفظ حقوق الجميع، بما يسهم في استدامة الأمن والاستقرار في الإقليم".

مستقبل التدخل الأميركي

تشير المعطيات السابقة إلى حجم التخبط الذي تعيشه الإدارة الأميركية في تعاملها مع الأزمة السودانية، فالرئيس ترامب أعلن التحرك في الأزمة "لأول مرة" بطلب من ولي العهد السعودي، على الرغم من انخراط إدارته ومبعوثه الخاص ضمن الرباعية الدولية. ويزكي هذا التخبط التجاذبات الناجمة عن تناقض مصالح حلفاء الولايات المتحدة المنضوين تحت نفس جهود الوساطة. هذا الواقع يوحي بأن التدخل الأميركي سيظل مقيدًا في المستقبل المنظور ما لم تحدث تغيرات كبيرة، لا سيما في ظل المعارضة الداخلية في الكونغرس الأميركي للدور الإماراتي في الحرب السودانية، والتي تجلت في محاولات عدة من بعض أعضاء مجلس الشيوخ لسن تشريع يوقف بيع السلاح للدولة الخليجية بحجة دعمها لقوات الدعم السريع، المُتهمة من قبل الخارجية الأميركية رسميًا بارتكاب إبادة جماعية خلال النزاع.

يبدو أن الرئيس ترامب يسعى لإضافة "صراع جديد" إلى سجل الحروب التي كان يزعم أنه نجح في إنهائها طوال العام الماضي

وفي المقابل، يبدو أن الرئيس ترامب يسعى لإضافة "صراع جديد" إلى سجل الحروب التي كان يزعم أنه نجح في إنهائها طوال العام الماضي، ما يعزز احتمالات استمرار التدخل الأميركي في السودان، ويزيد المخاوف من فرض حلول فوقية لا تراعي تعقيدات الأزمة ولا تحمي حقوق المدنيين والضحايا الذين تعرضوا لأبشع الجرائم والانتهاكات، ولا تخاطب المرارات السودانية و"جذور الأزمة"، ويُقرأ ذلك مع الأنباء المتداولة عن حديث بين السودان وأميركا في مجال المعادن.

فهل ستتمكن الإدارة الأميركية من تحقيق توازن بين مصالحها ومصالح حلفائها وضغوط الكونغرس، مع الحاجة لإيجاد حل عادل للأزمة السودانية؟ أم أن تدخلها سيبقى محدودًا ويخضع للمصالح الخارجية والاقتصادية على حساب السودانيين؟ هذه الأسئلة وغيرها ستجيب عليها ثلاثة أعوام تبقت من فترة رئاسية عصف عامها الأول بالكثير من الثوابت والقوانين.

الكلمات المفتاحية

عمود دخان في سماء الخرطوم.jpg

السودان خارج القاعة.. هل ينجح مؤتمر برلين في كسر جمود الأزمة الإنسانية؟

بمشاركة وزارة الخارجية الألمانية، وممثلي الولايات المتحدة الأمريكية، والأمم المتحدة ووكالات إقليمية وعالمية، ونحو 40 شخصية من القوى المدنية والسياسية السودانية، تبدأ أعمال مؤتمر برلين يوم الأربعاء المقبل، الموافق 15 أبريل 2026. ويتزامن هذا المحفل مع الذكرى الثالثة لاندلاع الحرب في السودان.


6 أبريل

ذكرى السادس من أبريل.. قصة ثورة لم تمضِ كما بدأت

صادف السبت، السادس من أبريل 2019، نهاية عطلة الأسبوع بالعاصمة الخرطوم. والملاحظ أن الشوارع خلت من حركة المارة في الفترة الصباحية، وكأن هناك حالة من التحفز لحدثٍ جسيم سيقع لاحقًا.


الجيش

تغييرات هيئة الأركان.. قائد الجيش يعيد ترتيب الأوراق ويمسك "بكرة النرد"

لم تكن التغييرات التي طرأت على هيئة أركان الجيش السوداني، اليوم الخميس 2 أبريل الجاري، مفاجئة للمراقبين؛ فوفقًا للبيان الصادر عن القيادة العامة،


النيل الأزرق

من المسيرات إلى المواجهات البرية.. النيل الأزرق على صفيح ساخن ونزوح بالآلاف

منذ مطلع العام الجاري، لم تهدأ جبهة النيل الأزرق تمامًا، وظلت تتحرك على إيقاع تصعيد متقطع بدأ منذ مطلع يناير الماضي، بهجمات الدعم السريع والجيش الشعبي ضمن تحالف السودان التأسيسي "تأسيس" على منطقتي ملكن والسلك بمحافظة باو، قبل أن يستعيد الجيش السوداني السيطرة عليهما في 26 يناير 2026، مع استمرار تناوب السيطرة.

حسن علي عيسى
أخبار

في تصريح خاص لـ"الترا سودان" د. حسن علي عيسى يؤكد توقفه عن العمل بالهلال

أعلن الدكتور حسن علي عيسى، الأمين العام لمجلس إدارة الهلال، التوقف عن العمل داخل المجلس وعدم الترشح في الدورة القادمة، واضعًا بذلك حدًا لمسيرة طويلة من العطاء داخل أروقة النادي.

أعمدة دخان في سماء العاصمة السودانية الخرطوم.jpg
أخبار

مسؤول أممي: السودان ما يزال اختبارًا يفشل فيه العالم

قال منسق الشؤون الإنسانية والإغاثة الطارئة في مكتب الأمين العام للأمم المتحدة، توم فليتشر، إن مرور ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في السودان يمثل ذكرى أليمة، تعكس عامًا آخر من فشل العالم في مواجهة التحديات التي تعصف بالبلاد.


حسن برقو
أخبار

نفى شائعة ترشحه لاتحاد الكرة.. برقو لـ"الترا سودان": لا انتخابات ولا ترشح

نفى القطب الرياضي المعروف وزعيم تنظيم النهضة، السلطان حسن برقو، بشكل قاطع ما تداولته بعض الصحف بشأن عزمه الترشح ضمن مجموعة رياضية يقودها صلاح أحمد إدريس والكابتن هيثم مصطفى

القنصلية العامة
أخبار

تأجيل مفاجئ لامتحانات الشهادة السودانية بالإمارات

أعلنت القنصلية العامة للسودان بدبي والإمارات الشمالية تأجيل امتحانات الشهادة السودانية للمرحلة الثانوية (دفعة 2025) التي كان من المقرر بدؤها اليوم الإثنين، 13 أبريل 2026، وذلك بسبب استمرار تعليق الدراسة حضوريًا في الإمارات.

الأكثر قراءة

1
أخبار

طوارئ بحري: لا تمثيل لنا في مؤتمر برلين.. وأي مشاركة خارج القنوات الرسمية غير معترف بها


2
أخبار

الصليب الأحمر: السودان ينزف بعد 3 سنوات من الحرب.. آلاف المفقودين


3
أخبار

مجلس الصحوة : الدعوة لمؤتمر برلين تمت بصورة انتقائية وبإيعاز من جهات تدعم الدعم السريع


4
أخبار

3 أطفال يولدون كل دقيقة في خضم حرب السودان وارتفاع في وفيات الأمهات


5
أخبار

طقس السودان.. ارتفاع طفيف تدريجي في درجات الحرارة