تبرعات أردول.. متى تتدخل الحكومة؟

تبرعات أردول.. متى تتدخل الحكومة؟

مبارك أردول (مواقع التواصل)

ضجت وسائل الأنباء، أمس، إثر تداول مقال للكاتبة السودانية "سهير عبدالرحيم"، كشف عن ضلوع مدير الشركة السودانية للموارد المعدنية في تنظيم حملة غير مُعلنة وسط شركات التعدين لجمع تبرعات مليونية لدعم حكومة دارفور وحاكم الإقليم المُعين حديثاً "مني أركو مناوي" الذي تعمل لجنة سيادية عُليا هذه الأيام على تنظيم حفل استقبال له في العاشر من آب/أغسطس الجاري بمدينة الفاشر بتنسيق مع القوى السياسية والحكومية بالإقليم.

مبارك أردول موظف دولة ويجب أن تستند تعاملاته أيًا كانت للوائح وقوانين الخدمة المدنية

الكاتبة أشارت إلى أن رسالة أردول لشركات التعدين جاء فيها: " الإخوة الأعزاء السلام عليكم ورحمة الله و بركاته. توصلنا مع الإخوة أعضاء اللجنة إلى أن هنالك أهمية قصوى لتوفير المبلغ المرصود لكل شركة وهو مليون جنيه سوداني لا غير، وأرجو أن تسلم إلى المكتب التنفيذي للأخ المهندس منصور صديق خلال (48) ساعة من الآن نسبةً لاستعجال الأخ الحاكم وسفره إلى دارفور". 

اقرأ/ي أيضًا: السياسات الاقتصادية للحكومة وأسئلة معاش الناس

ونقلت سُهير أن أردول أتبع الرسالة -في مجموعة تضم (93)عضواً- بأخرى قال فيها: "تكتب الشيكات باسم الأخ صديق حسن مساعد ود أصول وهو مدير إدارة المسؤولية المجتمعية بالشركة".

لكن الموظف الحكومي ومدير الشركة القومية للموارد المعدنية مبارك أردول، خرج بالأمس بتوضيح مُقتضب قال فيه إن "هنالك مبادرة طوعية تحت عنوان القومة لدارفور ينظمها قطاع الأعمال بالمعادن للتبرع لحكومة الإقليم بمبالغ مالية إضافة لحفر آبار لمياه الشرب، نحن منسقين فقط، نعد هذه المبادرة بهدوء بعيدًا عن الإعلام في الوقت الراهن، وهي مبادرة ليست جديدة على هذا القطاع فقد تنادينا من قبل لدعم الجيش في الفشقة بشرقنا الحبيب بنفس الطريقة عندما دعا الداعي".

وتابع السيد أردول في توضيحه: "مكتب الأخ مني مناوي حاكم إقليم دارفور ولجنة من شركات التعدين يقومون بهذا العمل بشكل مشترك ونحن مجرد منسقين، سيأتي الوقت الذي ندشن فيه هذه الحملة (القومة لدارفور) للجماهير". وختم مُبارك توضيحه قائلًا: "فقط الصحافة المهنية والحرفية تسأل وتستفسر من المعنيين قبل استعجل بالنشر، ولكن الله غالب".

ويقول السيد أردول أن الحملة تعمل بعيدًا عن الإعلام، ما الذي يجعل من حملة تستقطب التبرعات المجتمعية لحاكم دارفور ويعمل على تنسيقها رسميًا مكتب الحاكم العام للإقليم وبمشاركة مدير الشركة القومية للموارد المعدنية؛ ما الذي يجعل منها حملة سرية غير مُعلنة؟ وإلى ماذا يشير أردول بقوله: "نُعد الحملة بهدوء بعيدًا عن أجهزة الإعلام"؟!. وإن كانت حملة التبرعات تعمل بتنسيق حكومي رسمي، هل يمثل حديث أردول توجه الدولة الرسمي تجاه أجهزة الإعلام؟ 

وإلى من يشير أردول في حديثه بضمير الجماعة؟ مبارك أردول موظف دولة ويجب أن تستند تعاملاته أيًا كانت للوائح وقوانين الخدمة المدنية، التي تمنعه من المشاركة في أي نوع من الأعمال بالاستفادة من صفته الرسمية أو موقع عمله، أو أيًا من الإمكانات الرمزية أو المادية للمؤسسة المعنية. فما هي علاقة الحملة التي أشار إليها بالشركة الحكومية التي يعمل بها السيد أردول مُديرًا؟ ولماذا يوجه أردول "المتبرعين" بالتعامل مع مدير إدارة المسؤولية المجتمعية بالشركة لاستلام الأموال؟. 

وتساؤل أخير نضعه في سلة شكاوى الحكومة الانتقالية، كيف يعمل مدير لمؤسسة حكومية على استخدام نفوذه لجمع دعم مالي، ثم يعمل على توجيهه لخارج دائرة اختصاص عمله المباشرة، ويشرك في ذلك موظفين في ذات المؤسسة بالتنسيق مع مكتب الحاكم العام لإقليم دارفور -موظفي دولة بدورهم- ولا يُعلن للمواطن عن تلك الحملة أو أهدافها وكيف تدار وأين ستذهب كل تبرعات المواطنين هذه وكيف سيراقب صرفها، ولماذا تُجمع في الخفاء بعيدًا عن ولاية وزارة المالية؟ وكيف يطلب السيد أردول إن قبلنا بمشاركته في هذا العمل بصورة رسمية، من المتبرعين تسليم أموالهم في حساب شخصي؟!

اقرأ/ي أيضًا: مبادرة حمدوك وتحديات الانتقال

الواقعة التي انكشفت بالأمس تتطلب من الحكومة تحركًا سريعًا للتحقيق، حول ملابسات الحدث-الذي تحوم حوله شبهات الفساد- وعلاقة المؤسسات الرسمية به وما هو دور مدير الشركة الحكومية في هذه الحملة، وهل استخدم في ذلك سلطاته وصلاحيات المؤسسة التي يعمل بها، وما مدى صحة ادعائه بتنسيق الحملة مع مكتب حاكم إقليم دارفور؟ وإذا ثبت ذلك فعليًا، فمن هم المتورطون في مكتب حاكم إقليم دارفور، وما هو حجم الأموال التي استلمها هؤلاء الأفراد؟ ولماذا؟ ومن يقف على رأس هذه الدائرة التي تعمل تحت طاولة الحكم الانتقالي؟

 الكُرة اليوم في ملعب الحكومة الانتقالية لتبرهن للمواطن السوداني قطيعتها مع التمكين باختلاف أبعاده وتنوع فاعليه

وبحديث أردول عن غياب الصحافة المهنية؛ فالصحافة المهنية هي التي قادت بهذه الواقعة التي تحوم حولها شبهة الفساد، إلى النور وإلى فضاء النقاش المفتوح، ذلك ما يخشاه البعض حينما تسول لهم أنفسهم النأي بحملات تستقطب الدعم الشعبي ودفعها للعمل في الخفاء ومن وراء حجاب تحت حُجة "نعمل في هدوء بعيدًا عن أجهزة الإعلام"، حتى لا تُعرف أسرارها وتنكشف سوأتها. وهي واقعة جدُ خطيرة ومسمار في نعش الشفافية والمؤسسية لحكومة الانتقال.

إن الكُرة اليوم في ملعب الحكومة الانتقالية لتبرهن للمواطن السوداني قطيعتها مع التمكين باختلاف أبعاده وتنوع فاعليه. وأن لا مكان في العهد الانتقالي الجديد لمثل هذه الممارسات السوداء التي تفتح الباب واسعًا لتفشي الفساد وانهيار نظام الدولة، وخلق دولة داخل الدولة باختطاف مواردها الاقتصادية أو محاولات توجيهها لخدمة أجندة مُعينة، في الخفاء و"بهدوء" من وراء ستار.

اقرأ/ي أيضًا

مواكب العدالة.. الانتصار للقضية

هل يمضي قطار "الانتقال" في السودان؟