بين الإنقاذ والمجهول.. امتحانات نيالا تضع آلاف الطلاب أمام مصير غامض
9 يونيو 2026
أثارت امتحانات الشهادة الثانوية، التي انطلقت الأحد 7 يونيو 2026 في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، جدلًا واسعًا في الأوساط التعليمية، وسط تساؤلات متزايدة حول مدى قانونية هذه الامتحانات ومستقبل الشهادات التي ستُمنح للطلاب الجالسين لها.
لكن، بعيدًا عن الجدل الدائر بين المؤيدين والمعارضين، يظل مصير الطلاب هو القضية الأهم. فهل تمثل هذه الامتحانات فرصة لإنقاذ عامهم الدراسي، أم أنها قد تضعهم أمام تحديات جديدة تتعلق بالاعتراف بشهاداتهم ومستقبلهم الأكاديمي؟
مخاطر تعدد الامتحانات
يقول الخبير التربوي محمد ناصر إن امتحان الشهادة السودانية يمثل أحد أسس الوحدة الوطنية وتشكيل الوجدان السوداني، وهو مصدر فخر للسودانيين، كما أنه نظام تربوي وأكاديمي يمثل إرثًا امتد عبر العقود، ويعد من مرتكزات الدولة الأساسية مثل العملة الوطنية وغيرها من المؤسسات السيادية.
الخبير التربوي محمد ناصر لـ"الترا سودان": قيام امتحانات للشهادة السودانية خارج الإطار العام المعتمد للشهادة يشكل مظهرًا من مظاهر الانفصال وتقسيم الوطن
وأشار ناصر، في حديثه لـ"الترا سودان"، إلى أن قيام امتحانات للشهادة السودانية خارج الإطار العام المعتمد للشهادة يشكل مظهرًا من مظاهر الانفصال وتقسيم الوطن، مطالبًا بعدم إقحام العملية التعليمية في الصراعات السياسية والعسكرية القائمة في البلاد. وقال إنه لا يمكن عزل الطلاب أو تفريقهم، لأن الشهادة السودانية ارتبطت تاريخيًا بالمصداقية والموثوقية.
وأوضح ناصر أن التعليم حق إنساني أصيل، وأن حرمان الشخص منه قد يدفعه إلى خيارات قاسية، مضيفًا أن المسؤولية الأخلاقية للدولة تقتضي إيجاد مناطق آمنة لعقد الامتحانات، كما حدث سابقًا لطلاب حركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور.
وبين أن الشهادة السودانية تتسم بالمصداقية وتعتمد على خبرات تراكمية ونظام محدد ومتعارف عليه، وأن المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع لا تمتلك هذه الخبرات أو البنية التنظيمية اللازمة. وأضاف أن العمليات المصاحبة للامتحانات، بدءًا من إعداد الأسئلة مرورًا بالكنترول والتصحيح والرصد، وصولًا إلى إعلان النتائج، تمثل تحديات كبيرة في تلك المناطق، وسوف تؤثر على جودة الامتحانات ومصداقيتها. واعتبر أن هذه الخطوة قد تسهم في تعميق الانقسام في السودان.
امتحانات تثير التساؤلات
أما الخبير التربوي ومدير مدارس عوض الدنقلاوي بولاية الخرطوم، عوض خليفة، فيقول إنه ضد تدخل السياسة في العملية التعليمية، ويرفض رفضًا قاطعًا أن توضع المناهج لخدمة أهداف سياسية أو لتحقيق أجندة حزبية. وأضاف أن الجميع يتعاطف مع طلاب دارفور وكردفان وغيرها من المناطق الواقعة تحت سيطرة الدعم السريع، لكنه يرى، في الوقت نفسه، أن الحلول يجب أن تكون منطقية وواقعية.
الخبير التربوي ومدير مدارس عوض الدنقلاوي لـ"الترا سودان": أي امتحانات تُجرى في السودان دون إشراف الإدارة الشرعية لامتحانات السودان لا تعد مقياسًا للقدرات أو وسيلة لتقييم الأداء
وأوضح خليفة، في حديثه لـ"الترا سودان"، أن قيام امتحانات الشهادة السودانية بهذه الكيفية أو بصورة عشوائية أمر مرفوض، ولا يحقق الأهداف والغايات السامية، لافتًا إلى أن أي امتحانات تُجرى في السودان دون إشراف الإدارة الشرعية لامتحانات السودان لا تعد مقياسًا للقدرات أو وسيلة لتقييم الأداء.
وقال إن أبرز التحديات التي تواجه هذه الامتحانات تتمثل في أن الطالب غير مهيأ نفسيًا أو ماديًا أو ذهنيًا للجلوس للامتحانات في مناطق سيطرة الدعم السريع، في ظل معاناته من ويلات الحرب والنزوح وانعدام الأمن والاستقرار. وأضاف أن الامتحانات التي انطلقت يوم الأحد 7 يونيو غير شرعية، وأن مصيرها لا يزال مجهولًا، متسائلًا: في حال نجاح الطلاب، ما الجامعات التي سيتقدمون إليها؟ وهل توجد حاليًا جامعات مؤهلة للدراسة في نيالا؟
وأشار إلى أنه لا يمكن ضمان جودة هذه الامتحانات أو مصداقيتها؛ لأنها ـ بحسب رأيه ـ وُضعت لتحقيق أهداف وأجندة غير تربوية، وتعد مكايدات سياسية الغرض منها زعزعة سمعة الشهادة السودانية في السنوات المقبلة، وتمثل دعوة إلى ما وصفه بـ"الانفصال الناعم". وطالب وزارة التربية والتعليم بإصدار بيان واضح بعدم الاعتراف بهذه الامتحانات، والعمل على حماية سمعة الشهادة السودانية ومحاسبة كل من يثبت تورطه في هذه القضية.
مستقبل الطلاب المجهول
ويرى المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان عثمان البصري أن قانون تخطيط التعليم العام وتنظيمه لسنة 2001م منح وزارة التربية والتعليم الاتحادية سلطة حصرية على تنظيم وإدارة الشهادة السودانية. وأضاف أن وزارات التربية والتعليم بالولايات لا تملك حق تنظيم أو عقد امتحانات الشهادة السودانية، باعتبارها شأنًا قوميًا يختص به المركز.
المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان لـ"الترا سودان": أي شهادات تصدر من جهة غير وزارة التربية والتعليم الاتحادية لا تكون لها قيمة قانونية أو أكاديمية، لأن الجامعات السودانية تقبل الطلاب وفق شهادات معتمدة من الوزارة عبر مكتب القبول الذي يعمل بالتنسيق مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي
وقال البصري، في تصريح لـ"الترا سودان"، إن صلاحيات تنظيم وإدارة امتحانات الشهادة السودانية تقع على عاتق وزارة التربية والتعليم الاتحادية، موضحًا أن المادة (22) من القانون منحت الحق في تكوين مجلس مختص بتنظيم الامتحانات تتولى الوزارة الاتحادية إنشاءه، ويكون مسؤولًا بصورة حصرية عن تنظيم وإدارة امتحانات الشهادة السودانية.
وأضاف أن أي جهة أخرى لا تتمتع بالصفة القانونية لتنظيم هذه الامتحانات، وأن أي شهادات تصدر من جهة غير وزارة التربية والتعليم الاتحادية لا تكون لها قيمة قانونية أو أكاديمية؛ لأن الجامعات السودانية تقبل الطلاب وفق شهادات معتمدة من وزارة التربية والتعليم عبر مكتب القبول الذي يعمل بالتنسيق مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي.
وأوضح أن الشهادات الصادرة من امتحانات نيالا، إذا أراد أصحابها الدراسة خارج السودان، يجب أن تكون معتمدة من وزارة التربية والتعليم الاتحادية ووزارة الخارجية السودانية، ثم تُصدق عبر السفارة السودانية في الدولة المعنية. وأشار إلى أنه إذا لم تمر الشهادة بهذه الإجراءات، فإنها قد لا تكون مقبولة خارج البلاد.
ولفت إلى أن الطلاب الجالسين لامتحانات نيالا قد يواجهون صعوبات في الالتحاق بالجامعات السودانية وفقًا للوضع القانوني القائم، مبينًا أن القانون يتيح لهم تقديم شكاوى إلى وزارة التربية والتعليم الاتحادية للنظر في أي معالجات ممكنة، لكنه أشار إلى أن هذه الحالة غير مسبوقة، ولا توجد تجارب سابقة يمكن الاستناد إليها في معالجتها.
وأكد أن حق التعليم مكفول للجميع، لكن الإشكال الحالي يتعلق بالجوانب الأكاديمية والقانونية للاعتراف بالشهادات. وأضاف أن الانقسام القائم يؤثر على وضع هذه الامتحانات، مشيرًا إلى أن إجراءات الاعتراف الخارجي بالشهادات ترتبط بوزارة الخارجية السودانية والجهات الرسمية المعترف بها دوليًا.
امتحانات نيالا
وفي وقت يبحث فيه آلاف الطلاب عن فرصة لمواصلة تعليمهم بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، تثير امتحانات نيالا أسئلة تتجاوز قاعات الامتحان وورقة الاختبار. فالقضية تتعلق بمصير الشهادات التي سيحصلون عليها، ومدى الاعتراف بها، وما إذا كانت ستفتح لهم أبواب الجامعات أم تضيف عقبة جديدة إلى مسارهم الدراسي.
ومع استمرار الجدل بين الخبراء والقانونيين حول شرعية هذه الامتحانات، يبقى الطلاب الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، فيما لا تزال الإجابات الحاسمة بشأن مستقبلهم الأكاديمي معلقة في من حالة الغموض ضمن تجربة غير مسبوقة في السودان.
الكلمات المفتاحية
"الترا سودان" يدخل مدينة الأبيّض.. معاناة إنسانية ومخاوف من تصعيد القتال
بات الحال في الأبيض غير ما ألفه الناس، واكتظت الشوارع بخيام النازحين، وتحولت المدارس إلى دور إيواء، وسيطر سيناريو الفاشر على الأذهان
هجمات التماسيح بالسودان.. هل تقف التغيرات البيئية وراء الظاهرة؟
ثارت حادثة مقتل مزارع شاب إثر هجوم تمساح في جزيرة "صاي" مخاوف المزارعين.. ماذا قال الخبراء لـ"الترا سودان"؟
بين الخوف وغلاء المعيشة.. كيف يعيش سكان النهود؟
بعد سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة النهود بولاية غرب كردفان، يعيش السكان أوضاعًا إنسانية بالغة الصعوبة
استعدادات مبكرة للمولد النبوي.. انطلاق أعمال تأهيل حوش الخليفة بأم درمان
بدأت محلية أم درمان، اليوم السبت، أعمال النظافة والردميات بحوش الخليفة، ضمن الاستعدادات المبكرة للاحتفال بالمولد النبوي الشريف
عقب هذه التطورات.. رفع إضراب المعلمين لمدة أسبوع في ولاية سودانية
يشكو المعلمون من تدهور كبير في قيمة الرواتب الشهرية مقارنة بتكلفة المعيشة في السودان
حكومة الخرطوم تقر بإنشاء غرف فندقية لاستضافة الوفود الزائرة
أكد بيان صادر عن حكومة ولاية الخرطوم أن التقارير التي وصفتها بـ"تبديد المال العام" تتجاهل تعاملها مع الخدمات الأساسية من خلال أموال بند الطوارئ التي تخصصها وزارة المالية الاتحادية.
السودان يطلق مشروع اكتشاف المواهب الكروية حول العالم
بدأ السودان أولى خطوات مشروع يُنتظر أن يشكل تحولًا في مستقبل كرة القدم الوطنية، بإطلاق المرحلة الأولى