بعد إحاطة الجنائية الدولية بشأن الفاشر.. هل بات التوقيف وشيكًا بحق قادة الدعم السريع؟
21 يناير 2026
في إحاطة وُصفت بأنها الأكثر حسمًا منذ إحالة ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية، استخدمت نائب المدعي العام للمحكمة لغة غير مسبوقة أمام مجلس الأمن، حين حمّلت قوات الدعم السريع مسؤولية ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في مدينة الفاشر، دون اللجوء إلى الصياغات التحفظية التي ميّزت تقارير الادعاء على مدار السنوات الماضية. مؤكدة أن ما جرى هناك جاء في سياق "حملة ممنهجة من الانتهاكات الجسيمة استهدفت المجتمعات غير العربية على وجه الخصوص، وشملت الاغتصاب والاعتقال التعسفي والإعدامات والمقابر الجماعية، وكلها ارتُكبت على نطاق واسع".
"هذا التحول في خطاب الادعاء، من لغة التحفظ إلى التوصيف المباشر للجريمة، يشير إلى أن ملف دارفور ربما تجاوز مرحلة التقييم، ودخل فعليًا طور الإجراءات القضائية"
هذا التحول اللافت في الخطاب القانوني، من عبارات مثل "نعتقد" و"قد ترقى إلى جرائم"، إلى توصيف مباشر للجريمة وتحديد الجهة المسؤولة عنها، استند - بحسب الإحاطة - إلى تحقيقات مستقلة وأدلة وثائقية ورقمية وشهادات، خلصت إلى أن الجرائم في الفاشر وقعت في إطار نمط متكرر من العنف ضد المدنيين. وهو ما فتح باب التساؤلات حول ما إذا كان الملف قد تجاوز مرحلة التقييم والتحقيق، ودخل مرحلة الإجراءات القضائية الفعلية.
ورغم أن إحاطة الادعاء لم تسمِّ أشخاصًا بعينهم، إلا أن الاتهام الصريح لقوات الدعم السريع أعاد إلى الواجهة مبدأ المسؤولية القيادية في القانون الدولي الجنائي، لا سيما في ظل قيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) لهذه القوات، وما إذا كانت المحكمة تقترب من تحميله، أو قادة آخرين، مسؤولية قانونية مباشرة عمّا جرى في الفاشر.
ولاية المحكمة وتشديد اللغة
في هذا الصدد ترى الخبيرة القانونية نون كشكوش أن "المحكمة الجنائية الدولية تعاملت، منذ الشهور الأولى لاندلاع الحرب في السودان، مع الجرائم المرتكبة في دارفور بوصفها امتدادًا مباشرًا للولاية التي مُنحت لها سابقًا، باعتبار أن الأطراف المتورطة في الانتهاكات الحالية هي نفسها التي ارتكبت الجرائم السابقة في الإقليم". ووفق هذا الفهم، فإن أحداث الجنينة في عام 2023، ثم مجازر الفاشر في عام 2025، تندرج ضمن الإطار القانوني ذاته الذي أُحيل إلى المحكمة قبل عقدين.
وفي السياق، في عام 2005، أحال مجلس الأمن الدولي ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية بموجب القرار 1593، مانحًا المحكمة ولاية التحقيق في الجرائم الدولية الجسيمة المرتكبة في الإقليم منذ عام 2002، رغم أن السودان ليس طرفًا في نظام روما الأساسي.
القانونية نون كشكوش: "تسمية الجهة المسؤولة عن الجرائم علنًا أمام مجلس الأمن تمثل مؤشرًا قانونيًا مهمًا على أن التحقيقات بلغت مرحلة متقدمة، وقد تفضي إلى مذكرات توقيف بحق قيادات بارزة"
وتوضح كشكوش في حديثها لـ"الترا سودان" أن "التحول في لغة مكتب الادعاء، من الصياغات التحفظية إلى توصيف الجرائم بشكل أكثر مباشرة، لم يكن تحولًا سياسيًا بقدر ما كان نتيجة لتراكم الأدلة وتنوع مصادرها". فقد اعتمدت المحكمة، خلال الفترة الماضية، على مواد مفتوحة المصدر، ومقاطع مصورة، وأدلة رقمية جرى التحقق منها وتحليلها، ما مكّنها من التوصل إلى استنتاجات أكثر حسمًا بشأن طبيعة الجرائم والجهات المسؤولة عنها.
وفي إحاطتها أمام مجلس الأمن في يوليو 2025، أعلنت نائبة المدعي العام أن مكتب الادعاء جمع أكثر من 7000 دليل خلال ستة أشهر، شملت وثائق وشهادات وأدلة رقمية، من بينها مواد جُمعت من مخيمات لاجئين سودانيين في تشاد، مؤكدة أن التقدم المحرز في التحقيقات "ملموس وإيجابي".
وبحسب كشكوش، فإن "هذه الأدلة قادت مكتب الادعاء إلى توصيف الانتهاكات المرتكبة في دارفور باعتبارها مجازر ذات طابع عرقي، نُفذت على يد قوات الدعم السريع". وتشير إلى أن هذا الاستنتاج شكّل أساسًا للغة الواثقة التي ظهرت في الإحاطات الأخيرة أمام مجلس الأمن.
وفي الصدد، تُعد قوات الدعم السريع الامتداد المؤسسي لـ"ميليشيات الجنجويد" التي نشطت في دارفور خلال النزاع في مطلع الألفية، التي وُجهت إليها اتهامات بارتكاب انتهاكات واسعة بحق المدنيين، قبل أن يجري دمجها لاحقًا في تشكيل رسمي.
وتلفت الخبيرة القانونية إلى أن تقديم الإحاطة أمام مجلس الأمن يرتبط بطبيعة إحالة ملف دارفور نفسها، التي جاءت عبر المجلس، إلى جانب "سعي المحكمة للحصول على دعم سياسي وأمني يسهم في وقف الانتهاكات المستمرة". وتشمل هذه الأدوات، بحسب كشكوش، "الضغط على أطراف النزاع، أو دعم آليات حماية المدنيين، بما في ذلك قوات حفظ السلام".
والجدير بالذكر، وبموجب إحالة مجلس الأمن لملف دارفور، يلتزم مكتب الادعاء بتقديم إحاطات دورية للمجلس حول سير التحقيقات، رغم استقلال المحكمة، وهو ما يجعل المجلس طرفًا مؤثرًا سياسيًا في دعم أو إعاقة مسار العدالة.
وترى كشكوش أن "تسمية الجهة المسؤولة عن الجرائم بشكل علني وواضح في إحاطة رسمية أمام مجلس الأمن تمثل مؤشرًا قانونيًا مهمًا على أن ملف التحقيقات بلغ مرحلة متقدمة". وتضيف أن "قدرة المحكمة على تحديد الجناة خلال فترة زمنية أقصر مقارنة بتجارب سابقة تعكس وجود إرادة متزايدة داخل المؤسسة القضائية الدولية لتسريع مسار العدالة، في ظل إدراك أن الإفلات من العقاب شكّل أحد الأسباب الرئيسية لتكرار الجرائم في دارفور".
وعلى مدار سنوات، استخدم مكتب الادعاء لغة قانونية تحفظية في إحاطاته بشأن دارفور، قبل أن يشهد الخطاب تحولًا لافتًا في الإحاطة الأخيرة، مع توصيف مباشر للجرائم وتحديد الجهة المسؤولة عنها.
وفي هذا السياق، لا تستبعد كشكوش إمكانية "صدور مذكرات توقيف بحق قيادات بارزة في قوات الدعم السريع"، مشيرة إلى أن ذلك ينسجم مع سوابق المحكمة في ملف دارفور، حيث سبق أن أصدرت مذكرات بحق مسؤولين حكوميين سابقين، بينهم عمر البشير وأحمد هارون. وتؤكد أن أي مذكرات محتملة قد لا تقتصر على شخص واحد، بل قد تشمل كل من ثبتت مسؤوليته القيادية خلال فترة ارتكاب الجرائم.
مساءلة القادة
في ضوء هذا التوصيف القانوني المتقدم للجرائم المرتكبة في دارفور، هناك سؤال محوري حول الكيفية التي تنظر بها العدالة الدولية إلى مسؤولية القيادات السياسية والعسكرية عن هذه الانتهاكات. فالقانون الجنائي الدولي لا يكتفي بتحديد طبيعة الجريمة أو الجهة المنفذة، وينتقل إلى تفكيك هرم القيادة، وفحص أدوار من كانوا في مواقع السلطة أثناء ارتكاب الجرائم، سواء بالفعل أو بالامتناع عن منعها. في هذا السياق، تكتسب سوابق المحاكم الدولية أهمية خاصة لفهم المسار المحتمل للمساءلة.
وفي الصدد، يستحضر المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان أنور حماد سوابق قضائية دولية لتوضيح كيفية إثبات مسؤولية القادة عن الجرائم الجماعية، مشيرًا إلى أن القانون الجنائي الدولي لا يشترط دائمًا إثبات إصدار أوامر مباشرة لقيام المسؤولية الجنائية. ويؤكد أن مجرد وجود القائد في موقع السلطة أثناء ارتكاب الجريمة، مع علمه بها أو قدرته على منعها، قد يكون كافيًا لقيام المسؤولية.
ويشير حماد في حديثه لـ"الترا سودان" إلى أن تجربة المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا قدّمت نماذج واضحة في هذا السياق، حيث أُدين عدد من القادة السياسيين والعسكريين استنادًا إلى تصريحات علنية صدرت عنهم، اعتُبرت تحريضًا مباشرًا على القتل. ويذكر أن أحد القادة أُدين بسبب خطاب دعا فيه صراحةً إلى قتل التوتسي، وهو ما اعتبرته المحكمة دليلًا كافيًا على مسؤوليته الجنائية، قائلًا: "في رواندا، تمت إدانة قادة لمجرد تصريحات علنية حرّضت على القتل، دون الحاجة لإثبات أوامر عسكرية مكتوبة".
كما يلفت حماد إلى أن "عددًا من الوزراء والمسؤولين الحكوميين في تلك القضايا أُدينوا لأن تصريحاتهم شجّعت على العنف وأسهمت في خلق مناخ يسمح بارتكاب الجرائم، ما رسّخ مبدأ أن الخطاب العلني يمكن أن يشكل أداة جرمية في حد ذاته ضمن القانون الدولي الجنائي".
المحامي أنور حماد: "القانون الجنائي الدولي لا يشترط دائمًا إثبات أوامر مباشرة؛ وجود القائد في موقع السلطة مع علمه بالجرائم أو قدرته على منعها قد يكون كافيًا لقيام المسؤولية الجنائية"
ويمتد هذا الفهم، بحسب حماد، إلى سوابق أقدم في محاكم نورمبرغ التي أُنشئت عقب الحرب العالمية الثانية، حيث "أُدين بعض القادة ليس لمشاركتهم المباشرة في الجرائم، بل لوجودهم في مواقع القرار أثناء ارتكابها، وامتناعهم عن إصدار أوامر واضحة بوقفها أو منعها".
ويرى حماد أن هذه السوابق تؤسس لمبدأ قانوني راسخ مفاده أن المسؤولية القيادية تقوم على الفعل والامتناع معًا، وأن صمت القائد أو تواطؤه، أو حتى فشله في استخدام سلطته لمنع الجرائم، يمكن أن يرقى إلى مستوى المسؤولية الجنائية الدولية.
وفي المحصلة، بين توصيف الجرائم في دارفور بوصفها انتهاكات جسيمة للقانون الدولي، وتفكيك مسؤولية القيادات التي وُجدت في مواقع القرار أثناء ارتكابها، تتضح ملامح مسار عدالة لا يزال في طور التشكل. فبينما تتقدم التحقيقات وتتراكم الأدلة، يبقى السؤال معلقًا حول ما إذا كانت هذه المسارات القضائية ستتحول إلى أدوات فعلية لردع الجرائم وحماية المدنيين، أم ستظل، كما في تجارب سابقة، رهينة للتوازنات السياسية والإرادة الدولية.
الكلمات المفتاحية
طلاب السودان ضحايا سياسات الهجرة البريطانية.. توقف التأشيرات وحرمان التعليم
كانت الطالبة السودانية "ت.ن" التي تعيش كلاجئة في أوغندا بسبب الحرب في بلادها، تستعد لبدء مرحلة جديدة من حياتها الأكاديمية بعد حصولها على قبول لدراسة الماجستير
استعادة بارا.. هل تكون بداية ساخنة للعمليات العسكرية في كردفان؟
في عملية نوعية، شن الجيش السوداني هجومًا بريًا واسعًا، مدعومًا بغطاء من الطيران المسير، بهدف استعادة بارا الاستراتيجية بولاية شمال كردفان. المدينة، التي تقع في نقطة حاكمة على طريق الصادرات الذي يربط كردفان بولاية الخرطوم عبر أم درمان، شهدت تراجعًا لقوات الدعم السريع تحت ضربات الجيش
هل أصبحت مدينة الأبيض ساحة "حرب مسيرات" بدل الاشتباك البري؟
خلال الأسبوع الحالي والمنصرم، زادت وتيرة الهجمات بالطائرات المسيرة على مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، وامتدت الضربات لتطال مرافق صحية وتعليمية وخدمية، متسببة في سقوط ضحايا مدنيين وإصابات في صفوف الكوادر الطبية، فضلًا عن أضرار واسعة في البنية التحتية.
الطاقة السودانية تجري ترتيبات لتفادي أزمة في المشتقات البترولية
أعلنت وزارة الطاقة السودانية عن ترتيبات لاستيراد الوقود في ظل الأزمة العالمية والاضطرابات التي تسود منطقة الشرق الأوسط، متعهدة بتأمين هذه السلع حتى ينعم المواطنون بالوفرة.
بمقرها المؤقت بأمدرمان.. جامعة الفاشر تعلن استئناف الدراسة لطلاب السنة الأولى
أعلنت أمانة الشؤون العلمية بجامعة الفاشر، اليوم، عن بدء العام الدراسي 2025/2026 حضورياً لطلاب السنة الأولى بجميع الكليات، اعتباراً من يوم الأحد الموافق 29 مارس 2026، بمقر الجامعة المؤقت بجامعة أم درمان الأهلية بمدينة أم درمان.
من بين الدمار.. جمعية البراري التعاونية تعيد زراعة الأمل
بعد ثلاث سنوات من حرب أضعفت وعطلت الحياة في البلاد، يحاول السودانيون الوقوف مجددًا والنهوض من تحت ركامها المدمر. وتُبذل مجهودات متنوعة هنا وهناك تحث أبناء السودان على العودة لتنمية وبناء الدولة التي دمرتها الحرب وأوقفت عجلة الإنتاج فيها.
مكتب رئيس الوزراء يعلق على الأنباء المتداولة بشأن حديقة المقرن للحيوانات البرية
أعلن مكتب رئيس الوزراء كامل إدريس عدم صحة الأنباء المتداولة حول عزم الحكومة إعادة فتح حديقة الحيوانات بمنطقة المقرن في الخرطوم، وجلب حيوانات من دولتي جنوب السودان وأوغندا.