ultracheck
مجتمع

بارا المنسية.. مجزرة أخرى خارج عدسات الإعلام

29 أكتوبر 2025
مدينة بارا بولاية شمال كردفان
مدينة بارا بولاية شمال كردفان
الفاتح محمد
الفاتح محمدكاتب من السودان

بينما انشغل العالم بما يجري في الفاشر، ظلت مدينة بارا، الواقعة في ولاية شمال كردفان، تعيش مأساة إنسانية لا تقل قسوة، من انتهاكات إنسانية مروعة يندى لها الجبين وبعيدة عن الأضواء.

فمنذ الشهور الأولى للحرب، سيطرت قوات الدعم السريع على المدينة، وبدا الوضع حينها أقل دموية مقارنة بمدن أخرى، وهو ما فسره سكان محليون بأن شخصية "الناعم"، قائد الدعم السريع في المنطقة، كانت تلعب دورًا في محاولة تخفيف الانتهاكات ضد المدنيين.

لكن خلف هذا الهدوء النسبي، كانت بارا تختنق بانقطاع الكهرباء والمياه والاتصالات، وحدثت موجات نزوح واسعة شملت مئات الأسر التي فرت إلى الأبيض والقرى المجاورة.

وفي 12 أيلول/سبتمبر 2025، تمكن الجيش السوداني، مدعومًا بالقوة المشتركة والمجموعات المساندة، من دخول المدينة بعد معارك طاحنة مع قوات الدعم السريع التي انسحبت إلى أطرافها.

توضح شهادات الناجين لـ"الترا سودان" أن عناصر الدعم السريع نفذوا عمليات تصفية ممنهجة بحق المدنيين في مدينة بارا، بدافع الانتقام والتشفي تحت ذريعة "عودتهم ودعمهم وفرحهم بسيطرة الجيش على المدينة

عقب ذلك، بدأت عودة تدريجية للسكان، ووفقًا لما رواه متطوع إنساني لـ"الترا سودان"، فقد عادت أكثر من 200 أسرة إلى المدينة، مؤكدًا "أنه رقم تقديري"، خصوصًا إلى أحياء القوز والحي الشرقي والشمالي، وسط فرح مشوب بالحذر.

لكن هذا الفرح لم يدم طويلًا، ففي 25 تشرين الأول/أكتوبر، عادت قوات الدعم السريع بقيادة "الناعم" و"السافنا" إلى المدينة، لتبدأ موجة جديدة من الانتهاكات التي وصفها المتطوع الإنساني بأنها "من أفظع ما شهدته المدينة منذ اندلاع الحرب".

وتكتسب بارا أهميتها الاستراتيجية من وقوعها على الطريق القومي (الصادرات) بين الأبيض وأم درمان.

"رصدنا حتى الآن 55 قتيلًا وأكثر من 80 جريحًا وصلوا إلى الأبيض، كثير منهم من الشباب في العشرينات، وبينهم امرأة وشخص من ذوي الإعاقة تم قتلهم بدم بارد، وفق ما رواه ناجون وصلوا إلى المدينة"، يقول المتطوع طالبًا حجب اسمه لأسباب أمنية وتخوفًا من احتمالية دخول قوات الدعم السريع إلى مدينة الأبيض.

وفي السياق، كشف الهلال الأحمر السوداني يوم 28 تشرين الأول/أكتوبر عن مقتل خمسة من طاقمه في بارا، وفقدان الاتصال بثلاثة آخرين في الفاشر. ووصف البيان ما حدث بأنه انتهاك صارخ للقيم الإنسانية واتفاقيات جنيف، مؤكدًا ضرورة حماية العاملين في المجال الإنساني.

وقالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر: "يجب ألا يكون العاملون في المجال الإنساني هدفًا أبدًا".

وأعربت عن حزنها العميق لمقتل خمسة من متطوعي جمعية الهلال الأحمر السوداني في بارا، شمال كردفان، مؤكدةً ضرورة حماية العاملين الإنسانيين في مناطق النزاع.

وتوضح شهادات الناجين لـ"الترا سودان" أن عناصر الدعم السريع نفذوا عمليات تصفية ممنهجة بحق المدنيين في مدينة بارا، بدافع الانتقام والتشفي تحت ذريعة "عودتهم ودعمهم وفرحهم بسيطرة الجيش على المدينة".

وتؤكد تقارير الأمم المتحدة ما رصدته الشهادات الميدانية، حيث أفاد مكتب حقوق الإنسان بالأمم المتحدة بحدوث عمليات إعدام ميدانية لمدنيين في بارا بعد سيطرة قوات الدعم السريع عليها في 25 تشرين الأول/أكتوبر، بزعم دعمهم للقوات المسلحة السودانية، وأسفرت عن مقتل عشرات المدنيين. وحذر المفوض السامي فولكر تورك من استمرار الانتهاكات، داعيًا إلى اتخاذ خطوات عاجلة لحماية المدنيين ومنع العنف الانتقامي والقبلي.

"ما حدث في بارا مجزرة بكل معنى الكلمة. الناس كانوا فرحين بعودة الجيش، وبعد حوالي شهر ونصف فقط، عادت قوات الدعم السريع وبدأت عناصرها بتفتيش المنازل، ومعهم أشخاص من المدينة كانوا يدلّونهم على السكان. كان القتل بلا تمييز وبشكل جماعي"، يقول أحد الناجين الذين وصلوا سيرًا على الأقدام إلى الأبيض.

كما أورد المصدر حالة مروعة أثناء محاولة دفن الضحايا، قائلًا: "كان بعض سكان المدينة يحملون جثمانًا بقصد دفنه، لكن عناصر بقوات الدعم السريع منعوهم من الدفن وأطلقوا عليهم النار. مات أحد أقربائي فورًا ومعه شخص آخر، والباقون أصيبوا. هناك شخصان كبيران في السن لم يُعرف مصيرهما بعد، ولا توجد وسيلة للتواصل معهما"، حسب ما رواه أحد المتطوعين لـ"الترا سودان".

وفي هذا الصدد، اتهمت مجموعة محامو الطوارئ السودانية قوات الدعم السريع بارتكاب "مجزرة مروعة" في بارا، شملت إعدامات جماعية، واعتقالات، ونهبًا وتخريبًا للممتلكات، ما أدى إلى نزوح جماعي للسكان. 

وأكدت أن التحريض على القتل على أساس الهوية والانتماء يُعد انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني وتحريضًا على جرائم حرب، محمّلة قيادة الدعم السريع المسؤولية القانونية الكاملة، وداعية المجتمع الدولي للتحرك العاجل لحماية المدنيين.

عامل إنساني لـ"الترا سودان": الوضع في بارا الآن خارج عن السيطرة، لا توجد حياة في المدينة، الجثث في الشوارع وداخل المنازل، والجرحى بلا علاج، ويجب على العالم التحدث عن بارا والتحرك الفوري لإنقاذ ما تبقى".

ويضيف الناجون أن "جثثًا لا تزال داخل المنازل، وأنه لم يتمكن أحد من دفنها خوفًا من إطلاق النار"، كما ذكروا حادثة شاحنة كان على متنها حوالي 70 شخصًا حاولوا الخروج من المدينة، حيث أُعدم شخصان فورًا، وتم نهب هواتف وأموال البقية دون معرفة مصيرهم حتى الآن.

وفي السياق، حتى اليوم، لا تزال الاتصالات مقطوعة تمامًا عن المدينة، بما في ذلك شبكات "ستارلينك"، مما يجعل من الصعب التأكد من العدد الفعلي للضحايا.

ويقول عامل إنساني لـ"الترا سودان": "الوضع في بارا الآن خارج عن السيطرة، لا توجد حياة في المدينة، الجثث في الشوارع وداخل المنازل، والجرحى بلا علاج، ويجب على العالم التحدث عن بارا والتحرك الفوري لإنقاذ ما تبقى".

من جانبه، أدان حزب المؤتمر السوداني بولاية شمال كردفان المجزرة التي ارتكبتها قوات الدعم السريع بحق المدنيين في مدينة بارا، والتي أسفرت عن "مئات القتلى والجرحى"، أغلبهم من الشباب، إلى جانب حملات اعتقال ونهب وتخريب للممتلكات. 

ووصف الحزب ما حدث بأنه جريمة ضد الإنسانية، محمّلًا الدعم السريع المسؤولية الكاملة، وداعيًا المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية إلى التحرك العاجل وفتح تحقيق دولي شفاف لضمان محاسبة المتورطين.

وما يجري في بارا لا يبدو معزولًا عن نمط متكرر في الحرب السودانية، إذ غالبًا ما تشهد المدن التي تتبدّل السيطرة عليها جولات جديدة من العنف والانتقام. ويطرح هذا الواقع أسئلة ملحّة حول سبل حماية المدنيين وضمان عدم استهدافهم خلال تغير السيطرة العسكرية. كما يثير تساؤلات بشأن قدرة المنظمات الإنسانية على الوصول إلى المناطق المنكوبة وتقديم المساعدة في ظل انقطاع الاتصالات وغياب المعلومات الدقيقة.

الكلمات المفتاحية

العنف ضد النساء

حرب السودان.. النساء في مواجهة العنف وانهيار العدالة

منذ اندلاع حرب 15 أبريل، وجدت النساء السودانيات أنفسهن في قلب الانهيار الذي ضرب البلاد. لم تكن الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل تحوّلت سريعًا إلى أزمة إنسانية


نازحون في طويلة

ناجيات من الفاشر: كنا على تخوم الموت

عندما وطئت أقدامنا تخوم مخيم طويلة في شمال دارفور، شعرنا أن بنادق عناصر قوات الدعم السريع التي كانت تلاحقنا لن تجعلنا في حالة رعب بعد الآن، وأن الموت أصبح بعيدًا. وفور وصولنا إلى الملجأ، الذي يتكون من مواقع بدائية، بحثنا عن عيادة تديرها منظمات دولية، وأبلغنا الأطباء بأن هناك نازحين فارين، بينهم أطفال، بحاجة إلى التدخل الطبي بشكل أسرع.


لاجئون سودانيون في أوغندا

توقف مطابخ كيرياندنغو يفاقم معاناة اللاجئين السودانيين في أوغندا

منذ أواخر تشرين الأول/أكتوبر الماضي، يعيش آلاف اللاجئين السودانيين في معسكر كيرياندنغو شمال أوغندا أزمة إنسانية جديدة بعد توقف جميع المطابخ المجتمعية التي كانت تقدم وجبة يومية لآلاف الأسر.


التسول في الخرطوم

تزايد نسبة التسول والتشرد بالعاصمة.. الحكومة: نبحث عن حلول مستدامة

أكد متطوعون في المجال الإنساني أن هناك تزايدًا ملحوظًا للمتسولين في شوارع العاصمة الخرطوم، خاصة في المناطق المأهولة بالأنشطة التجارية والأسواق، بسبب الفقر المدقع وصعوبة الحصول على الغذاء.

وسط الخرطوم
أخبار

حملات واسعة لإزالة المخالفات بوسط الخرطوم تمهيدًا لعودة النشاط التجاري

أطلقت محلية الخرطوم، اليوم الجمعة، حملة موسعة لإزالة المخالفات وتنظيم الأسواق في قلب العاصمة، شملت شارع عبد المنعم قرب صينية القندول وشارع الحرية وموقف "جاكسون" للمواصلات، في إطار خطة لإعادة ترتيب وسط الخرطوم وتهيئته لعودة النشاط التجاري والخدمي.

مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان
أخبار

مقتل شخصين وإصابة آخرين في استهداف طائرة مسيّرة لحي طيبة في الأبيض

استهدفت طائرة مسيّرة اليوم الجمعة 12 كانون الأول/ديسمبر 2025، حي طيبة جنوب شرقي مدينة الأبيض، حاضرة ولاية شمال كردفان، مما أسفر عن مقتل شخصين وإصابة آخرين.


الجيش السوداني_0.jpg
أخبار

هجوم بطائرة مسيرة على كوستي يسفر عن مقتل وإصابة عدد من عناصر الجيش

استهدفت طائرة مسيرة صباح اليوم الخميس 11 كانون الأول/ديسمبر 2025، مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض جنوبي السودان، مما أسفر عن مقتل وإصابة عدد من عناصر الجيش.

الطقس.jpg
أخبار

طقس السودان.. أجواء باردة شمالي البلاد وأمطار خفيفة بالبحر الأحمر

أصدرت الهيئة العامة للأرصاد الجوية السودانية، صباح الخميس 11 كانون الأول/ديسمبر 2025، توقعاتها لحالة الطقس حتى السبت 13 كانون الأول/ديسمبر، مشيرةً إلى استمرار تأثير الموجة الهوائية الباردة على مختلف أنحاء البلاد، ما يؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة وتفاوت الأجواء بين الباردة وشديدة البرودة شمالًا، والمعتدلة نهارًا في بقية المناطق، مع فرص لهطول أمطار خفيفة إلى متوسطة على أجزاء من ساحل البحر الأحمر.

الأكثر قراءة

1
أخبار

برنامج الأغذية العالمي يعلن تخفيض حصص الغذاء في السودان بسبب نقص التمويل


2
أخبار

الأمم المتحدة: اتفاق مبدئي يسمح للوكالات الإنسانية بالدخول إلى الفاشر


3
أخبار

مناوي يرحب بالعقوبات البريطانية على قيادات الدعم السريع ويطالب بتوسيعها لتشمل حميدتي


4
سياسة

الخرطوم تستعد لعودة الوزارات.. بين أمل الإعمار وتحديات الواقع


5
أخبار

لجنة بالكونغرس الأميركي تُطالب بوقف الدعم الخارجي لأطراف الحرب في السودان