بائعات الشاي والمأكولات..  مطالب ممكنة وأحلام مشروعة

بائعات الشاي والمأكولات.. مطالب ممكنة وأحلام مشروعة

عوضية كوكو ضمن وفد "قحت" لاستقبال حمدوك عند وصوله البلاد لأول مرة (سودان فيو)

مثل الكثير من نساء السودان بدأت عوضية كوكو حياتها المهنية ببيع الشاي والقهوة على الرصيف. نزحت من مناطق الحرب للخرطوم وهي تعاني الفقر والتهميش، لم تجد أمامها من سبيل لكسب الرزق سوى الجلوس على الشارع وبيع المشروبات الساخنة لتكفي نفسها وأسرتها شر العوز والحاجة. بائعات الشاي في مدينة الخرطوم وحدها تقدر أعدادهن بالمئات، يعملن في ظروف شاقة في ظل تجاهل الدولة لهن ولقضاياهن.

تدرجت كوكو في عملها وصارت تبيع المأكولات الشعبية كحال العديد من النساء بهدف تحسين الدخل. لم تكتف السيدة التي تجاوزت الـ(50) عامًا من عمرها بالعمل الروتيني والخضوع لسلطة النظام القديم بل أسست في العام 1990 "الجمعية التعاونية للعاملات في بيع الأطعمة والمشروبات" وضمت عددًا كبيرًا من السيدات اللائي يعشن ظروفًا مماثلة.

في عام 2013 توسع نطاق العمل العام وتأسس "الاتحاد العام النسوي التعاوني متعدد الأغراض" من (16) جمعية تضم نساء يعملن في مهن هامشية من بينها الجمعية التي أسستها كوكو. عام 2016 نالت كوكو جائزة "المرأة الشجاعة" من الخارجية الأمريكية.

اقرأ/ي أيضًا: جامعة إفريقيا العالمية.. بين التعليم وأيديولوجيا النظام البائد

قبل أيام التقت السيدة كوكو برئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك مع وفد من الاتحاد العام النسوي. تطرق اللقاء لعدد من القضايا يشرحها التقرير التالي، والذي يتناول سيرة مجموعة من النساء العاملات في المهن الهامشية ويسلط الضوء على أبرز التحديات التي تواجهن.

تعمل النساء في المهن الهامشية لأكثر من (12) ساعة في اليوم ويواجهن مخاطر التحرش وملاحقة رجال الشرطة

قيم وعناء وشقاء

وجدتها تجلس على مقربة من بائعات الشاي وتبادلهن الحديث وتساعدهن إذا تطلب الأمر، سألت عنها وعرفت أنها تنتمي لمجموعة الاتحاد النسوي التعاوني. وافقت على سرد سيرتها باسم مستعار "نهى" وبررت ذلك بالقول: "قبل (20) عامًا جئت إلى الخرطوم من ولاية القضارف ولا أحمل سوى مجموعة من القيم والعادات التي تمنعني من الظهور العلني وممارسة مهنة بيع الشاي، أهلي يرفضون ذلك. اتجهت لبيع العطور وقلت لهم أنني أعمل بالتجارة".

بدايات نهى في الخرطوم لم تكن سهلة حيث سكنت مع أقربائها وظلت تعاني من المضايقات ولأنها لا تريد أن تتحول لعبء ظلت تتنقل بين بيوت الأسرة كل فترة وإلى وقتها الحالي، حقيبتها جاهزة دائمًا للرحيل. لكن ظروف العمل وأكل العيش تجبرها للبقاء في هذا الوضع، هي أكبر أخوتها وتعتمد عليها أسرتها في معاشها.

بدأت حياتها المهنية في مجال تعليم الكبار وهنا التقت بعوضية كوكو ومجموعتها. تقول: وجدت أنهم يكسبون من مهنة بيع الشاي والقهوة أكثر من راتبي فاتخذت قرارًا بالتحول إلى مهنة التجارة. أبيع العطر بسعر زهيد وأدوات التجميل والملابس والثياب السودانية التقليدية.

اقرأ/ي أيضًا: نساء جبال النوبة.. عزلة تمتد من مناطق الحرب حتى حواضر المدن!

تعمل نهى ما يقارب (12) ساعة في اليوم. تتجول في الأحياء وبين بيوت الصديقات والمعارف وأماكن التجمعات لتبيع بضاعتها. تقول: "حتى إذا كنت مريضة لابد أن أخرج للعمل، لأن الظروف غير معروفة والرزق ليس له وقت. يحدث أحيانًا أن يكون جيبي فارغًا وأتناول وجبة طعام واحدة في اليوم لكن لا بد من مواصلة العمل ما دام لا يوجد مصدر دخل ثابت.

نهى مطلقة تحلم بسكن مستقل ورأس مال لتبدأ به مشروعًا مستقرًا، بدلاً عن التجول طوال اليوم. واستبعدت عودتها إلى مسقط رأسها القضارف وبررت ذلك بالكسب المادي الذي تجنيه في العاصمة. وحول أهم التحديات التي تواجهها في العمل تقول دون تردد: "التحرش. يعتقد بعض الرجال لأني أتجول ببضاعة بسيطة يمكن أن أبيع جسدي مقابل مبلغ مادي، يعرضون عليَ المال وأرفض، أفضل هذا التعب والكسب الحلال عن الوقوع في الحرام".

أحلام مشروعة

إنصاف آدم أم لستة أبناء. كانت نفساء يوم أخذت أبنائها للخرطوم من مدينة كادوقلي في العام 2011 بعد نشوب الحرب الأهلية، تروي تلك الرحلة قائلة: "عند اندلاع الحرب حملنا ما نقدر عليه من المؤن والمال واستقللنا عربة إلى أطراف كادوقلي حيث قرية تسمى (الشعير) هناك وجدنا مخيمًا لكن أوضاعه غاية في السوء. رحلنا بعدها إلى مدينة الدلنج ومكثنا أربعة أيام لكن صوت القذائف كان يشق الآذان فقررنا السفر للخرطوم. كنا مجموعة كبيرة من الأهل والجيران. وجدنا روضة أطفال عملت فيها مع زوجي كحراس "خفرا" ولا نزال نعيش فيها إلى اليوم رغم تهديد المديرة لنا أحيانًا بالطرد".

تعرفت إنصاف إلى عوضية كوكو في ذلك الوقت وكانت تخرج للعمل في نظافة سوق الكلاكلة لكن المحلية لم توف لهم بالمستحقات المالية. بعد الثورة وإبان الاعتصام عملت مساعدة لكوكو في الطبخ للثوار المعتصمين بمحيط القيادة العامة.

تقول السيدة إنصاف: "أريد العمل في بيع الشاي لكنني لا أملك أدوات العمل من موقد صغير "كانون" وكأسات وفحم وقود وشاي وسكر وغيرها من مستلزمات العمال".

سألتها كيف تنظرين للمستقبل؟ فأجابت أنها تخشى التشرد مع أطفالها خاصة وأنها لا تملك المال الكافي لاستئجار بيت وتحلم بامتلاك منزل في السكن الشعبي.

أقرأ/ي أيضًا: الظروف الاقتصادية الصعبة تجبر أطفال النازحين في دارفور على هجر التعليم

تحديات تواجه كفاح النساء

اتفقت مجموعة من أعضاء الاتحاد النسوي التعاوني على أن التحديات والمشاكل التي تواجه النساء تتمثل في الألفاظ النابية والتعليقات الخادشة للحياء التي تتعرض لها العاملات في الشارع العام. والجلوس لفترات طويلة أمام موقد الشاي الأمر الذي يسبب آلام القدمين والظهر حيث لا يقل معدل عمل بائعة الشاي في اليوم عن (10) ساعات وعدم وجود دورات مياة قريبة من أماكن العمل، وغياب الأمهات عن الأبناء لساعات طويلة وتركهم دون رقابة.

مطالب وحقوق مشروعة

عوضية كوكو: حوالي (11) ألف امرأة يعملن في مهن هامشية في أطراف الخرطوم، وطالبنا رئيس الوزراء بتوفير سكن شعبي وبطاقات علاجية لهن

التقت رئيس الاتحاد النسوي عوضية كوكو برئيس الوزراء عبدالله حمدوك وطرحت قضية حملات الاعتقال والمصادرة لمعدات العمل التي تتعرض لها بائعات الشاي، وقالت: "سقطت الحكومة القديمة وجمد العمل بالقوانين المقيدة للحريات ومع ذلك لا يزال البوليس يمارس ملاحقته لستات الشاي ولا نعرف هل هم من شرطة النظام العام أم هم أفراد من المحلية. طرحنا قضايا النساء والبالغ عددهن ما يقارب (11) ألف سيدة، في أطراف العاصمة (انغولا) (أم بدات) (الفتح) (الصفوة) حيث لا تعليم أو صحة أو مياه صالحة للشرب أو قابلات ولا مراكز صحية وطالبنا بتوفير بطاقات علاجية لهن، وتعمل أكثرية النساء من تلك المناطق في بيع الشاي والتسالي والخضار. قدمنا طلبات لوزيرة الرعاية الاجتماعية لينا الشيخ بتخصيص مزارع حول الخرطوم لهؤلاء النساء لزراعة البامية والخضار".

تابعت السيدة حديثها قائلة: "طلبنا من رئيس الوزراء توفير القرض الحسن والتمويل الأصغر على أن يكون السداد طويل المدى. وتوفير أماكن ثابتة للنساء لبيع بضاعتهن وتحصلنا على مظلات من شركة خاصة لأننا نعمل تحت الشمس لا تسترنا إلا ظلال الأشجار لكن المحليات منعتنا من استخدامها. من أهم مطالبنا توفير السكن الشعبي وعودة بطاقات الدعم الاجتماعي للمطلقات والأرامل".

 

اقرأ/ي أيضًا

"أميت" سوق شعبي يجمع السودانيين في أبيي

الشهادة السودانية.. آن أوان التقييم والمراجعة