الولايات السودانية.. سقط النظام وبقيت أزماته

الولايات السودانية.. سقط النظام وبقيت أزماته

تعاني ولايات سودانية من نقص حاد في السلع الأساسية والأدوية (رويترز)

في أبريل/نيسان الماضي كلف المجلس العسكري الذي تولى السلطة بعد الإطاحة بالنظام الحاكم في لخرطوم، على خلفية احتجاجات شعبية، قرب وزارة الدفاع في العاصمة السودانية، كلف بعض كبار الجيش بإدارة الولايات خلفًا للولاة الذين عينهم الرئيس المخلوع عمر البشير. لكن رغم تنحية "البشير" لا تزال ولايات البلاد الـ18 تعاني من شح المشتقات النفطية واستمرار طوابير الخبز ما دفع قادة الاحتجاجات بهذه الولايات إلى تنظيم تظاهرات تطالب بتوفير تلك الضروريات، إلا أن مواجهة سلطات الولايات مطالب المحتجين بالغاز والرصاص جعل مطالبهم ترتفع لتمتد إلى المطالبة بإنهاء تكليف الحكام العسكريين بالولايات.

يواجه تحالف "قوى الحرية والتغيير" انتقادات واسعة لتأخر تعيين حكام الولايات المدنيين فيما يبدو أنه لم يضع خطة لتعيين حكام الولايات المدنيين بالتزامن مع مؤسسات الحكم الانتقالي

واكتنف الغموض تعيين ولاة مدنيين في الولايات بعد تشكيل الحكومة الانتقالية في السودان برئاسة عبد الله حمدوك مطلع سبتمبر/أيلول الجاري، وأحست القوى المدنية التي قادت حركة الاحتجاجات في الولايات بخيبة أمل من تأجيل قوى التغيير تعيين الحكام المدنيين، إذ أنه كان متوقعًا تعيين ولاة مدنيين لإدارة الولايات بما فيها ولاية الخرطوم العاصمة السودانية وفقا لنصوص الوثيقة الدستورية.

ويواجه تحالف "قوى الحرية والتغيير" انتقادات واسعة لتأخر تعيين حكام الولايات المدنيين. فيما يبدو أنه لم يضع خطة لتعيين حكام الولايات المدنيين بالتزامن مع مؤسسات الحكم الانتقالي (مجلس الوزراء ومجلس السيادة) التي تشكلت في نهاية آب/أغسطس ومطلع أيلول/سبتمبر.

اقرأ/ي أيضًا: مصير غامض لرموز نظام البشير

ويقول شهاب الطيب عضو قوى التغيير أن "التحالف لم يكن جاهزًا بشأن وضعية الولايات والبت فيها وهناك إجراءات بدأت للخروج برؤية عن كيفية إدارة الولايات" مضيفًا: "علينا أن نقرّ بأننا لم نستعد جيدًا لذلك وهذا خطأ"

ولا غرابة في تصاعد وتيرة احتجاجات الولايات وانتظامها عددًا من المدن، فالشرارة الأولى لثورة كانون أول/ديسمبر في السودان انطلقت من عاصمة إحدى الولايات مدينة "الدمازين" بالنيل الأزرق جنوبي البلاد على خلفية أزمة الخبز بسبب شح طحين القمح في 13كانون/أول ديسمبر العام 2018.

خيبة أمل منظمي الاحتجاجات بالولايات

وأبلغ مصدر من مجلس السيادة السوداني (ألترا صوت) أن ملف الولايات يكتنفه الغموض، فمن غير المعروف حتى الآن ما إذا كان سيصدر قرار سريع بإعفاء الحكام العسكريين أم لا.

وكانت احتجاجات شعبية واسعة قد طافت سوق مدينة "القضارف" شرقي السودان منتصف أيلول/سبتمبر الجاري، مطالبة بإقالة الحاكم العسكري للولاية اللواء بالجيش السوداني "نصر الدين عبد القيوم" بعدما رفض دعوات في الولاية بعزل مسؤولين حكوميين ينتمون إلى النظام البائد، مبررًا رفضه بعدم ثبوت تورطهم في شبهات فساد.

طاقم البشير لا يزال يحكم الولايات

ويطالب منظمو حركة الاحتجاجات في الولايات بعزل الولاة الحاليين وتعيين حكام مدنيين، تزامنت هذه الدعوات مع احتجاجات شعبية رافضة لاستمرار الولاة العسكريين شملت ثلاث ولايات هي "الشمالية" و"القضارف" و"جنوب دارفور".

يقول المحلل السياسي قرشي عوض لـ(ألترا صوت) "أن الولايات دفعت الثمن غاليًا للإطاحة بنظام البشير لأنها ابتدرت الاحتجاجات الشعبية وقتلت قوات الأمن أعدادًا من المدنيين ولاحقت مئات النشطاء، وعندما حان الوقت للشعور بالتغيير السياسي وانعكاس ذلك على الأرض لم يجدوا سكان الولايات شيئًا".

ويضيف عوض: "ربما من المبكر الحكم على التغيير ونتائجه الآن لكن المواطن في الولايات يريد أن يرى إقالة المسؤولين السابقين ممن ينتمون للنظام البائد لأنه ليس بالإمكان تحقيق تنمية بطاقم كان يعمل مع المخلوع البشير". وتزايدت هجمات المسلحين على مدنيين في ولايتين باقليم دارفور في الشهرين الأخيرين على خلفية نزاع بسبب المراعي كما دفع اندلاع اقتتال أهلي بين مجموعتين سكانيتين بولاية البحر الأحمر شرقي السودان إلى شعور الحكومة الانتقالية بالقلق من أن تؤدي أعمال العنف إلى اضطرابات واسعة في جميع أنحاء البلاد.

حكام الولايات لا يرغبون في الاستمرار

في اجتماعهم مع وزير ديوان الحكم الاتحادي، الوزارة المعنية بتنظيم السياسات العامة للولايات، طلب ولاة الولايات من العسكريين اعفائهم من مناصبهم وذلك في 25 سبتمبر بالعاصمة السودانية، على خلفية الرفض الشعبي الذي يواجهونه بعد التطورات للأحداث بولاياتهم، حيث تظاهر الآلاف في مدينة "نيالا" بولاية جنوب دارفور احتجاجًا على تدهور الأوضاع الأمنية بالمناطق الطرفية بالولاية إلى جانب أزمة شح الخبز والوقود ما دفع المجلس السيادي للدولة بكامل هيئته إلى عقد جلسة طارئة له الخميس 26سبتمبر بمدينة "نيالا" لبحث أزمة طحين القمح والوقود وتدهور الأمن، بعدما أن تكررت هجمات مسلحين على بلدات "قريضة" أقصى جنوبي الولاية ما أسفر عن ومقتل مدنيين وإصابة آخرين.

ويقول خبير الحكم المحلي عمر علي جماع لـ(ألترا صوت) أن " تعيين الولاة المدنيين مسألة وقت لأن الولاة المكلفين من العسكريين منذ شهر أبريل نيسان الماضي جاءوا من الوحدات العسكرية للجيش السوداني الواقعة في تلك الولايات وليست لديهم نوايا في إدارة الولايات".

اقرأ/ي أيضًا: المدنيون في المجلس السيادي السوداني.. بورتريهات القصر الجديد

وكان رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك قد أعلن في مقابلة تلفزيونية في مطلع سبتمبر/أيلول الجاري تأجيل النظر في نظام الولايات في الحكم إلى المؤتمر الدستوري قائلا "المؤتمر الدستوري هو الذي يحدد ما هو الخيار الأفضل للحكم هل نظام الولايات الـ (18) أم العودة إلى نظام الأقاليم الـ(6) كما كان متبعًا قبل وصول نظام البشير إلى السلطة".

ويوضح جماع أن بعض المجتمعات المحلية لن توافق على العودة إلى نظام الأقاليم لأنهم غير مستعدين لتذويب والولايات التي حصلوا عليها بـ"المحاصصة" ولن يقبلوا تبعية مناطقهم إلى مناطق أخرى.

ويشير جماع إلى أن مواطني الولايات بحاجة إلى محليات تستطيع تقديم الخدمات الأساسية، ولتطبيق هذا النموذج لابد من إلغاء منصب المعتمد لتوفير منصرفات (198) معتمدًا على مستوى البلاد. ويبين جماع أن إلغاء منصب المعتمد يوفر (198) وظيفة سياسية تضاعف نفقات الخزانة العامة دون أن تقدم للمواطن خدمات تذكر، وبالتالي يمكن العودة إلى نظام المحافظات وتشكيل مجالس ريفية.

السلام يؤجل تعيين الولاة

دخلت الجبهة الثورية المسلحة التي تتكون من ائتلاف حركات مسلحة أزمة الولايات بعدما دفعت بمقترح لمحادثات عقدتها مع مجلس السيادة السوداني (أحد مؤسسات الحكم المركزي الانتقالي بالسودان) قضى بتأجيل تعيين ولاة الولايات إلى ما بعد إبرام اتفاق السلام. يقول "شهاب إبراهيم الطيب" نائب رئيس الدائرة السياسية في حزب التحالف السوداني (أحد مكونات قوى الحرية التغيير)  لـ(ألترا صوت) أن قوى التغيير تعتزم إجراء نقاشات مع الجبهة الثورية الأسبوع القادم وحملها للموافقة على تعيين حكام مدنيين مكلفين إلى حين التوصل إلى اتفاق للسلام معها، بعده يمكن أن يعاد تعيين حكام الولايات من جديد على ضوء اتفاق السلام المرتقب، وذلك لتفادي الأزمات.

واضطر أعضاء من مجلس السيادة للسفر بشكل عاجل إلى مدينة بورتسودان عاصمة ولاية البحر الأحمر شرقي السودان، على خلفية الاضطرابات الأمنية والاقتتال الأهلي هناك، حتى يتمكنوا من احتواء الوضع وتفادي انزلاقه وتكرار أحداث العنف.

من المتوقع أن تحمل مقبلات الأيام جملة قرارات ربما تصل حد عزل العسكريين وتعيين ولاة مدنيين مكانهم، خصوصًا في الولايات التي تعاني من احتجاجات صارت شبه يومية

وتقع سبع ولايات سودانية ضمن المناطق التي تشهد نزاعات مسلحة بين الحركات المسلحة والحكومة السودانية، ورغم اتفاق الهدنة ووقف العدائيات إلا أن الأوضاع فيها ما تزال هشة على الصعيد الأمني وهي ولايات إقليم دارفور الثلاثة غربي السودان، وولايتا "النيل الأزرق" و"جنوب كردفان" جنوبي البلاد.

من المتوقع أن تحمل مقبلات الأيام جملة قرارات ربما تصل حد عزل العسكريين وتعيين ولاة مدنيين مكانهم، خصوصًا في الولايات التي تعاني من احتجاجات صارت شبه يومية، لكن ليس بالإمكان التكهن بمصير تلك الولايات حتى بعد تعيين حكام مدنيين، فمشكلة تلك المناطق لا تقتصر على الحكام العسكريين وحدهم، ولا في بقاء مسؤولين حكوميين من منسوبي النظام البائد في السلطة فيها، فعلى ما يبدو أن أغلب مناطق الولايات تعيش هشاشة غير مسبوقة في وضع الأمن، وشبه انعدام للسلع الأساسية والأدوية، إلى جانب حالة من الانهيار في الأذرع التي توفر الخدمات الأساسية (طرق، مركبات، مستشفيات، مدارس وغيرها) ما يعني أن حل إشكالاتها يتطلب من حكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك ما هو أبعد من قرارات تعيين حكام مدنيين.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

تقدير موقف: اتفاق المرحلة الانتقالية في السودان.. فرص النجاح والعقبات

المجال العام للحراك السياسي في السودان.. مُقاربة نَقدِية