الملح في حروب جبال النوبة
13 يناير 2026
في حروب جبال النوبة لم تكتب كل الوقائع في الوثائق، ولم تقع جميعها ضمن حبر الباحثين والكتاب، فكثير من الأحداث الكبرى ظل محفوظًا في الذاكرة الشفاهية، يتناولها الناس في حديثهم عن الحرب تتناقلها الأجيال جيلًا بعد جيل دون أي تدوين رسمي.
من بين هذه الوقائع ما عرف بـ"اتفاقية الملح"، ولطالما ظل الملح، خلال حروب جبال النوبة، السلعة الأكثر ندرة والأكثر إثارة للجدل، واليوم ومع حرب أبريل الحالية وتعقد خطوط التجارة والسلع في جنوب كردفان، يعود الملح، رمز تلك الاتفاقية القديمة، ليتصدر مشهد الأزمة من جديد، لكن هذه المرة بوصفه سلعة نادرة في أسواق مدينة محاصرة.
"بين حرب التسعينيات وحصار اليوم، ظل الملح في جبال النوبة أكثر من مجرد سلعة؛ كان شاهدًا على الحصار، وأداة من أدوات الحرب، وعلامة على أن الغذاء يمكن أن يتحول إلى سلاح"
يعرف معظم سكان جبال النوبة ما يعرف بـ "تفاقية الملح"، ورغم أنها لم تكتب في سجلات رسمية أو وثقها الباحثون، إلا أنها تشبه كثيرًا من الأحداث التي حفظت في التاريخ الشفاهي لحروب جبال النوبة، مثل "ضربة البخاس " أو "حرب الدندور" أو مجزرة هيبان والهدرة، وغيرها من الوقائع التي تناقلها الناس عبر الذاكرة الجمعية.
في العام 1993، ومع تصاعد نشاط الحركة الشعبية في جبال النوبة، نظمت حكومة الإنقاذ آنذاك قوة عسكرية أطلق عليها اسم "صيف العبور"، وكان هدفها المعلن القضاء على الحركة الشعبية نهائيًا وتطهير مناطق جبال النوبة من التمرد. تحركت هذه القوات في صيف ذلك العام ووصلت إلى الإقليم وانتشرت بسرعة، وسيطرت على المداخل والمخارج المؤدية إلى مناطق سيطرة الحركة الشعبية، وفرضت حصارًا خانقًا عليها، قطعت بموجبه جميع الإمدادات، كما منعت الحكومة القبائل الرعوية من التجارة مع الحركة الشعبية، وفرضت عقوبات صارمة على المخالفين، إذ كان يحكم بالسجن والغرامة وأحيانًا بالإعدام على كل من يضبط متلبسًا ببيع أي سلعة، وعلى رأسها الملح، ولو كان رطل ملح، لاحقًا طلبت تلك القوات دعمًا إضافيًا من الخرطوم، فجاءت قوة أخرى تحت اسم "المغيرات صبحًا"، وكانت هذه القوة أكثر تدريبًا وتسليحًا، لكنها اشتهرت كذلك بوحشية تعاملها مع المدنيين، إذ نهبت القرى التي مرت بها خاصة طريق هبيلا والظلاطاية، بما في ذلك القرى الواقعة على خطوط سيرها، وسرقت المواشي بالقوة المسلحة.
أمام هذا الواقع، لجأت مجموعات من الرعاة إلى قيادة الحركة الشعبية طلبًا للحماية وإنقاذ ممتلكاتهم وماشيتهم، وتم ترتيب لقاء بينهم وبين يوسف كوه مكي، قائد جبهة جبال النوبة آنذاك، في منطقة "تمة" قرب كرنقو عبد الله، حضر اللقاء وفد من قبائل البقارة، وتحديدًا المسيرية والحوازمة.
"اتفاقية الملح لم تُكتب في وثيقة رسمية، لكنها كُتبت في ذاكرة الناس، مثل كثير من وقائع حروب جبال النوبة التي حفظها الفم حين غاب القلم"
وخلال الاجتماع، قال أحد أعضاء الوفد: "نحن وفد رسمي نمثل قبائل المسيرية والحوازمة، جئنا ومعنا عدد كبير من جولات الملح هدية لكم، لأننا نعلم أنكم تعانون من نقص حاد فيه، تجاوزنا بها كل مناطق الحكومة، وعرضنا أنفسنا للخطر، فالحكومة إذا ضبطت شخصًا يحمل رطل ملح في طريقه إلى مناطقكم يكون عقابه الإعدام بتهمة التعاون مع المتمردين، ومع ذلك خاطرنا بحياتنا كدليل على حسن النوايا".
وطلب الوفد في المقابل أن تتولى الحركة الشعبية حمايتهم وحماية ماشيتهم من اعتداءات القوات الحكومية، مقابل تهريب السلع، وعلى رأسها الملح، إضافة إلى تزويد الحركة بمعلومات عن تحركات الحكومة.
وعقب انتهاء الحديث، قال يوسف كوه مكي: "لقد قبلنا هديتكم، وجاء ملحكم في الوقت المناسب"، ثم أشار إلى أحد جنود الجيش الشعبي الذى بدأ في حالة هزال، مضيفًا: "هذا بسبب نقص الملح". ومنذ ذلك الوقت عرفت هذه الواقعة باسم "اتفاقية الملح"، وتقول قيادة الحركة الشعبية إن الاتفاقية جرى توثيقها صوتيًا، وهي محفوظة حاليًا في أرشيف تلفزيون دولة جنوب السودان.
انتهت تلك الحرب بتوقيع اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا) في عام 2005، التي أنهت أطول حرب أهلية في السودان، استمرت لأكثر من 21 عامًا، ومنحت جنوب السودان حق تقرير المصير، الذي تحقق في التاسع من يوليو 2011، لتصبح الدولة رقم 193 في قائمة الدول الأعضاء بالأمم المتحدة، وبموجب الاتفاق، جرى فك الارتباط بين الحركة الشعبية الأم، التي ذهبت مع الدولة الوليدة، وجناح الشمال المتمركز حينها في جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق.
غير أن الحرب سرعان ما عادت مرة أخرى بين الحركة الشعبية وحكومة الولاية، واستمرت من 2011 حتى 2018، قبل أن تتراجع حدتها خلال فترة الثورة السودانية.
وخلال تلك السنوات، انتهجت حكومة الولاية سياسات هدفت إلى منع تدفق السلع والبضائع إلى مناطق سيطرة الحركة الشعبية، ما أدى إلى ظهور أسواق عرفت باسم "السمبك"، وهي أسواق دورية تقام في الغابات، يلتقي فيها تجار من مناطق سيطرة الحكومة بتجار من مناطق سيطرة الحركة الشعبية، وخلال هذه الفترة ظل الملح في صدارة السلع المطلوبة، وبسبب ثقله وارتفاع كلفة نقله، فضل تجار السمبك السلع خفيفة الوزن، ما أسهم في ارتفاع سعر الملح بصورة لافتة.
ومع اندلاع حرب أبريل 2023، التي امتدت إلى جنوب كردفان في يونيو من العام نفسه، استمرت المعارك منذ تلك الفترة وطوال عام 2024 بين الجيش الشعبي والقوات المسلحة من جهة، والقوات المسلحة وقوات الدعم السريع من جهة أخرى، مع مواجهات محدودة أواخر عام 2023 بين الجيش الشعبي وقوات الدعم السريع في هبيلا والتكمة، وانتهت تلك المواجهات بالتصدي لقوات الدعم السريع، التي كانت تحاول دخول مدينة الدلنج في تشرين الثاني/نوفمبر 2023، حيث تصدت للهجوم قوة مشتركة من الجيش الشعبي والقوات المسلحة باللواء 54 الدلنج.
لكن، بعد توقيع "اتفاق التأسيس" في شباط/فبراير 2025، دخلت الحرب في جنوب كردفان مرحلة جديدة، تمثلت في تحالف الجيش الشعبي وقوات الدعم السريع، وخوضهما معارك مشتركة ضد القوات المسلحة، وأسفرت هذه المعارك عن تداعيات واسعة، شملت خسائر بشرية، وسقوط مدنيين نتيجة القصف الجوي والتدوين المدفعي على المدن، إضافة إلى قطع الطرق التجارية الرئيسية في الولاية، فقد أدت سيطرة قوات الدعم السريع شمال مدينة الدلنج، في منطقة الدبيبات، إلى قطع الطريق التجاري مع شمال كردفان، ورغم ظهور منافذ بديلة للتجارة، مثل سوق الخرسانة قبل انقطاع الطريق إليه، وسوق النعام في جنوب السودان، وسوق أم جمينة المتاخم لحدود غرب كردفان، إلا أن التطورات الأخيرة أدت إلى انقطاع هذه المسارات، لا سيما نحو مدينة كادوقلي.
ونتيجة لذلك، ارتفعت أسعار السلع الأساسية، ودخلت المدينة في أزمة سيولة نقدية حادة، إذ بلغ سعر الاستبدال نحو 30%، حيث يمنح التاجر 70 ألف جنيه نقدًا مقابل 100 ألف جنيه عبر تطبيق "بنكك".
وبحسب مرتضى جادين، تاجر بسوق كادوقلي، فإن الأسعار ارتفعت بشكل ملحوظ بعد سيطرة الحركة الشعبية وقوات الدعم السريع على منطقة التقاطع، ما أدى إلى توقف تدفق البضائع من منطقة الكرقل، وأوضح أن سعر كيلو السكر بلغ 50 ألف جنيه، ورطل الزيت 30 ألف والدقيق 36 ألف، وصابونة الغسيل 10 آلاف، وصابونة الحمام 18 ألف، وكيلو لحم الضأن 60 ألف، بينما انقطع البصل تمامًا، وبلغ سعر ملوة اللوبيا 150 ألفًا، وكيلو العدس 60 ألف جنيه.
أما الملح السلعة الأكثر إثارة للجدل فبعد أن وصل سعر الملوة إلى 150 ألف جنيه يوم الأحد الماضي، الآن اختفى تمامًا من الأسواق منذ يوم أمس الاثنين، وقالت مواطنة من منطقة كلبا إن الملح أصبح نادرًا ولا يباع إلا نقدًا، ولا يقبل فيه الدفع عبر "بنكك"!
وأضافت أن قطعة صغيرة لا تكفي سوى لوجبتين إذا كان الملاح "نصف طعام"، أما إذا كانت الأسرة تتناول وجبة طعام كامل، فلا تكفي إلا لوجبة واحدة، هذه يتراوح سعرها بين 3500 و4000 جنيه، بحسب الدكان.
وبالتوازي مع ذلك، تعيش مدينة كادوقلي أزمة صحية خانقة مع ندرة الدواء، واستمرار القصف الجوي والتدوين المدفعي من قبل "قوات تأسيس"، باستثناء هذا الأسبوع، ما دفع آلاف المواطنين إلى مغادرة المدينة والتوجه نحو مناطق سيطرة الحركة الشعبية، بينما اتجه آخرون إلى شرق الولاية.
وتأتي هذه التطورات في مرحلة بالغة الخطورة من مسار الصراع في جنوب كردفان، إذ تواصل قوات تأسيس تشديد حصارها على كادوقلي ومحاولات السيطرة عليها، ومنذ منتصف كانون الأول/ديسمبر الماضي، أصدرت الحركة الشعبية بيانين دعت فيهما المواطنين إلى مغادرة المدينة، مؤكدة أن السيطرة على كادوقلي والدلنج مسألة وقت، وهو ما دفع كثيرين إلى الخروج رغم المخاطر الكبيرة التي تحيط بالطرق.
"اليوم اختفى الملح من أسواق كادوقلي تمامًا، ولم يعد يباع إلا نقدًا، في مدينة محاصرة يتقاسم أهلها الطعام بميزان الندرة لا بميزان الحاجة"
خاتمة
بين اتفاقية الملح التي ولدت في قلب حرب التسعينيات، وواقع اليوم الذي يعود فيه الملح سلعة نادرة في مدينة محاصرة مثل كادوقلي، تتكرر ملامح الأزمة ذاتها في جبال النوبة، وإن اختلفت أطراف الصراع، إلا أن الحصار، وقطع الطرق، وتسييس الغذاء ظلت أدوات ثابتة في حروب جبال النوبة، ومن جهة يدفع المدنيون الثمن الأكبر، خاصة في ظل انسداد الأفق السياسي، وتراجع فرص الوصول الإنساني حيث وصلت آخر قافلة مساعدات من اليونسيف في آب/أغسطس 2025.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية

هل حان وقت العودة إلى الخرطوم؟
ما دام النزاع مستمرًا، والقوات المسلحة السودانية ليست الجهة الوحيدة المحتكرة للسلاح، مع تكاثر المليشيات العرقية والمناطقية والتمسك بالولاءات القبلية، فلا يمكن ضمان ألا يحدث ما حدث مجددًا

الترامبية والسودان.. هل تستخدم أميركا أوراق نفوذها لإطفاء حرب السودان؟
بعد أشهر قليلة من تسنُّمه السلطة، عاد السودان فجأة، هذا البلد المسكون بالخراب، إلى لسان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مع منح قضيته أهمية خاصة، وتأكيد على السعي الجاد لإنهاء أزمته وإطفاء نيران الدمار. فما هي تلك الأهمية التي يمثلها السودان لـ"السياسة الترامبية"، وهل بالإمكان فعليًا التدخل في الشأن السوداني وفقًا لمعطيات هذه السياسة؟

في الذكرى الـ"70" للاستقلال.. ماذا فعلنا بالبلاد؟
أطلت قبل أيام الذكرى السبعين للاستقلال المجيد؛ الذي جاء ثمرة كفاح طويل وسعي حثيث للتحرر الوطني من ربقة الاستعمار الإنجليزي، قُدِّمت في سبيله الأرواح

هيئة الأرصاد: أجواء حارة في معظم أنحاء البلاد
أشارت النشرة اليومية للهيئة العامة للأرصاد الجوية إلى سيادة أجواء حارة نسبيًا في معظم أنحاء البلاد خلال الأيام الثلاثة المقبلة، مع توقعات بهطول أمطار على ساحل البحر الأحمر.

هيئة الأرصاد: ارتفاع طفيف في درجات الحرارة بمعظم أنحاء البلاد
أصدرت الهيئة العامة للأرصاد الجوية نشرتها لتوقعات الطقس في السودان خلال الأيام الثلاثة المقبلة، مشيرة إلى أن الأجواء ستكون معتدلة إلى حارة في معظم أنحاء البلاد.

فاجعة في نهر النيل.. غرق قارب يقل أكثر من 30 شخصًا شمالي السودان
في فاجعة إنسانية مؤلمة، غرق قارب حديدي من نوع "رفاس" في نهر النيل شمالي السودان، مساء الأربعاء 11 فبراير 2026، وعلى متنه نحو 30 راكبًا من النساء والرجال والأطفال.

مجلس طوارئ شمال دارفور يحذّر من تكرار الحرائق في معسكرات النازحين بمنطقة طويلة
حذّر مجلس غرف طوارئ ولاية شمال دارفور من خطر تكرار حوادث الحرائق في تجمعات النازحين بمنطقة طويلة

