"القلم ما بزيل بلم"

وزارة التربية والتعليم (تويتر)

هذه المعركة بين أنصار أيٍ من الأفكار التي تقف مع/ضد المنهج التعليمي الجديد قد تكون جيدة وممارسة مشروعة جدًا لحرية الرأي، ليس مكانها بالتأكيد صناعة المناهج نفسها، فكلا الطرفين الآن في هذه المعركة يتعلمون في هذا العمر ما لم يكن متاحًا أبدًا لهم لا وفق المناهج التي أتاحتها حداثة المستعمر أو كيفما تم تطويرها في وزارة التربية أو في معهد التربية ببخت الرضا، والتي من الواضح أنها لم تكن بالقدر الكافي لإعدادنا لتلقي المعرفة وتنشئة عقل نقدي أقدر على تطوير أنفسنا.

حسب المناهج أن تعمل على إثراء اختلافاتنا وتعريفنا بأنفسنا أولًا وقدراتنا والمجالات التي نكون فيها أقدر على الإبداع

ليست من مهام المنهج المدرسي أن يفتح آفاقنا للقبول بالآخر أو أن يكون تمرينًا في الديمقراطية وإدارة الاختلاف أو حتى قبول هذا الاختلاف، سواء في تلقيه أو صناعته، المنهج المدرسي عليه فقط أن يفتح أعيننا على المعارف وطرق تحصيلها بما يجعلنا نعي اختلافاتنا بالتأكيد، ولكن الأهم إثراء هذه الاختلافات بتعريفنا بأنفسنا أولًا وقدراتنا والمجالات التي نكون فيها أقدر على الإبداع سواء كانت موهبة أو شغف يعلي من قدرات النشء في ترسم طريقهم وترسيمه، واكتشاف قدراتهم، ولكنه أبدًا لن يكون طريقة لتتبع طريق واضعي هذه المناهج ورؤيتهم هم لما هو صحيح وما هو خاطئ، أينما ما كنا من فريقي المع والضد في هذا الصراع الصفري الذي لن يتيح خيال من هم خلف هذه المناهج في الماضي والحاضر غير توريث أزمة مستمرة في عملية التعليم والتربية والتوجيه لم تسلم منها حتى جامعاتنا وطرق إعداد المعلمين الذين نضع عقول النشء أمانة بأيديهم وهم ليسوا أكثر من دعاة ووعاظ سواء أن كانوا من حراس الاستنارة أو من سدنة التأصيل، فلا غرو إذًا أن مناهجنا هذه لم يخرج من لدنها مبدعين إلا استثناءً وبفضل تمردهم على نظامنا التعليمي غالبًا وليس الرضوخ له.

اقرأ/ي أيضًا: إسرائيل والسودان.. قصف جوي وعداء شعبي

خير فعل رئيس الوزراء في تجميد المنهج الذي أثار ما أثاره في الكشف عن عورة نظامنا التعليمي في السابق، وذلك في كيفية تعاطي المتعلمين السابقين مع التغيير في المنهج الجديد، ولكن هذا لن يكفي ولن يفيد إذا كان سيعني بقاء الوضع على ما هو عليه وفق المناهج القديمة، نقد عملية التعليم وتطويرها سيكون ثمنه باهظًا على النشء، وسبل التحكم في هذه الكلفة مجربة في العالم من حولنا إذا أردنا، لكن من المهم الآن فعلًا النظر لاستحداث منهج خلاف الذي تمت تنشئتنا عليه.

بسبب قصور المناهج التعليمية السابقة تحولت مسألة تغيير المناهج حاليًا إلى معركة بين تيارات فكرية ومدارس أخلاقية ودينية

إن أول معضلة ستواجهنا في هذا هي "نحن" حراس المعبد القديم وورثته وليس الأجيال التي سنرغمها على دفع ثمن ضمور عقلنا وقصور خيالنا، حتى تحولت مسالة إعداد المنهج فجأة إلى معركة بين تيارات فكرية ومدارس أخلاقية ودينية لا يمكن أن يكون هذا التباين بيننا إلا تدليل واضح على كون المنهج المدرسي الذي أتاح تعليمنا لم يكن ذو أثر حصري في تشكيل مزاجنا وتفجير طاقاتنا، وإذا كان ثمة ملمح وحيد في وجداننا يمكن أن نرجع إليه فضل التعليم الرسمي علينا هو هذا الاضطراب والتشنج الذي يربك تعايشنا، عافى الله الأجيال القادمة منه، ومنا ومن خوض معارك لا تعنيهم، ولن تعينهم في هذه الحياة أو الحياة التي بعدها.

اقرأ/ي أيضًا

السودان يوقع رسميًا "اتفاقيات أبراهام" للتطبيع مع دولة الاحتلال

إجراءات حكومية لسيارات الـ"بوكو حرام" تدفع المئات إلى المبيت في قرِّي