الفاتح قرشي يصف صحفيًا معتقلًا في سجون الدعم السريع بـ"المدلع"
2 يونيو 2026
ظهر المتحدث الرسمي باسم قوات الدعم السريع، الفاتح قرشي، منتفخًا بالثقة والاستخفاف وهو يجيب على أسئلة الإعلامي أحمد طه في قناة الجزيرة. وبين سلسلة من الإجابات التي بدت أقرب إلى المراوغة السياسية منها إلى التوضيح، استوقفني حديثه عن الصحفي المعتقل في سجون الدعم السريع، معمر إبراهيم، حديث حمل في طياته ما هو أبعد من مجرد تبرير للاعتقال، ووصل إلى حدود التهديد الضمني والتشفي المعلن.
ففي معرض دفاعه عن استمرار احتجاز معمر إبراهيم، لم يكتف قرشي بوصفه بأنه إسلامي ومتعاون مع الجيش، بل وضعه ضمن سياق المقارنة بالمحكومين بالإعدام لدى الطرف الآخر، في إشارة لا تخلو من الإيحاء بأن مصيره قد لا يكون بعيدًا عن تلك النهايات التي طالما أدانتها قوات الدعم السريع واتخذتها مادة دائمة للهجوم على خصومها. وهنا يبرز التناقض الصارخ؛ إذ كيف يتحول من يدين الممارسات القمعية إلى مبرر لها حين تتعلق بخصومه؟
أكثر ما يثير الغضب ذلك القدر من السخرية الذي حاول قرشي أن يقدمه في صورة امتنان
والأكثر إثارة للدهشة أن التهمة الرئيسية التي يكررها قرشي بحق معمر هي كونه "إسلاميًا". وهي تهمة تبدو غريبة حين تصدر عن شخص يعرف السودانيون جيدًا طبيعة العلاقات التي ربطته، قبل الحرب، بالإسلاميين ودوائر المؤتمر الوطني، كما يعرفون أن عددًا غير قليل من قيادات الدعم السريع أنفسهم كانت لهم صلات سياسية وتنظيمية وثيقة بالحركة الإسلامية في مراحل مختلفة من تاريخ البلاد. لذلك تبدو التهمة هنا أقرب إلى توصيف سياسي انتقائي منها إلى معيار موضوعي يمكن الاستناد إليه لتبرير اعتقال صحفي أو حرمانه من حقوقه الأساسية.
لكن أكثر ما يثير الغضب حقًا هو ذلك القدر من السخرية الذي حاول قرشي أن يقدمه في صورة امتنان. فقد قال إن صحة معمر إبراهيم تحسنت بعد دخوله السجن، ثم أضاف مبتسمًا أن الرجل "مدلع" داخل المعتقل. وكأن المطلوب من السودانيين أن يصدقوا أن سجنًا تديره قوة متهمة بارتكاب انتهاكات واسعة أصبح مكانًا للرعاية والرفاه. وكأن سجن دقريس، الذي ارتبط اسمه بروايات مقلقة عن أوضاع المحتجزين، تحول فجأة إلى منتجع مفتوح الخدمات.
وبطريقة أخرى، بدا المتحدث وكأنه يريد القول إن قواته أنقذت معمر من مصير أسوأ في الفاشر. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: من الذي ساهم في صناعة المأساة الإنسانية التي عاشتها المدينة؟ ومن الذي حاصرها وأغلق طرق الإمداد إليها حتى أصبحت المجاعة والخوف جزءًا من الحياة اليومية لسكانها؟
تصريحات قرشي الأخيرة لا تبعث على الاطمئنان بقدر ما ترفع منسوب القلق بشأن مصير الصحفي المعتقل. فهي تكشف أن ملف معمر إبراهيم لا يزال يُنظر إليه من زاوية سياسية وأمنية ضيقة، لا من زاوية الحقوق والحريات. كما أنها تؤكد أن الدعوات المحلية والدولية المطالبة بإطلاق سراحه أو السماح لأسرته بالتواصل معه لم تجد حتى الآن آذانًا صاغية.
وما يزيد المخاوف أن المتحدث باسم الدعم السريع حرص خلال المقابلة على توسيع مفهوم "المشاركة في القتال" إلى حدود فضفاضة. فبحسب قوله، لا يقتصر القتال على حمل السلاح، بل يشمل القلم والكلمة والمايكروفون أيضًا. وإذا أخذنا هذا التعريف على محمل الجد، فإن الصحفي معمر إبراهيم يصبح، في نظر سجانيه، متهمًا كامل الأوصاف: يكتب بالقلم، ويتحدث بالكلمة، ويحمل المايكروفون.
بعد نحو عام من الاعتقال، لا تبدو تصريحات الفاتح قرشي محاولة لطمأنة الرأي العام بقدر ما تبدو رسالة مقلقة بشأن الطريقة التي تنظر بها قوات الدعم السريع إلى الصحفيين وحقهم في العمل. وحين يصبح القلم سلاحًا، والكلمة جريمة، والمايكروفون دليلاً على الاشتراك في الحرب، فإن الخوف لا يعود على معمر إبراهيم وحده، وإنما يشمل كل صحفي يقع في قبضة الدعم السريع.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية
فارس النور والاستقالة الثانية.. لماذا لا يمكن التعامل معها كحدث استثنائي؟
منذ إعلان فارس النور استقالته من المجلس الرئاسي لتحالف "تأسيس" الذي يهيمن عليه الدعم السريع، ومنصبه حاكمًا
كرة القدم النسائية.. بين فشل التخطيط وغياب المحاسبة
واصل منتخب السودان للسيدات تحت 17 عاماً نتائجه الكارثية في بطولة سيكافا المقامة بتنزانيا
من ليبيا إلى بلفاست.. سودانيو المنافي في مرمى النيران
في بلفاست، تحول الهجوم الذي نفذه لاجئ سوداني من مجرد جريمة جنائية، إلى قضية رأي عام
تفكيك الدعم السريع في السودان.. هل تؤدي التسوية السياسية إلى سلام مستدام؟
ثمة اتجاه متزايد داخل عدد من العواصم الغربية والإقليمية نحو الدفع بتسوية سياسية عاجلة للحرب في السودان. ويُقدّم هذا التوجه بوصفه استجابة إنسانية لكارثة تتسع يومًا بعد يوم، لكن السؤال الذي يظل غائبًا عن كثير من النقاشات يتعلق بنوع السلام الذي يمكن أن ينتج عن تسوية تُعقد في لحظة لم تتغير فيها موازين القوى التي أفرزت الحرب نفسها.
استعدادات مبكرة للمولد النبوي.. انطلاق أعمال تأهيل حوش الخليفة بأم درمان
بدأت محلية أم درمان، اليوم السبت، أعمال النظافة والردميات بحوش الخليفة، ضمن الاستعدادات المبكرة للاحتفال بالمولد النبوي الشريف
عقب هذه التطورات.. رفع إضراب المعلمين لمدة أسبوع في ولاية سودانية
يشكو المعلمون من تدهور كبير في قيمة الرواتب الشهرية مقارنة بتكلفة المعيشة في السودان
حكومة الخرطوم تقر بإنشاء غرف فندقية لاستضافة الوفود الزائرة
أكد بيان صادر عن حكومة ولاية الخرطوم أن التقارير التي وصفتها بـ"تبديد المال العام" تتجاهل تعاملها مع الخدمات الأساسية من خلال أموال بند الطوارئ التي تخصصها وزارة المالية الاتحادية.
السودان يطلق مشروع اكتشاف المواهب الكروية حول العالم
بدأ السودان أولى خطوات مشروع يُنتظر أن يشكل تحولًا في مستقبل كرة القدم الوطنية، بإطلاق المرحلة الأولى