العلامات.. جينات المستحيل في العقل

العلامات.. جينات المستحيل في العقل

"الوجه على المريخ" أحد أشهر أمثلة الباريدوليا (ويكيميديا)

بعد ثلاثة أيام قضيتها مستيقظًا نسبة لداءٍ حرمني النوم، صرت أسمع أصواتًا تتحدث إلي، وبالرغم من أنه لم نكن إلا شخصان في الغرفة، أنا وصديقي المرافق لي، بت أسمع أصواتًا تتحدث بكلمات واضحة مفهومة، وكان ذلك حينما نغرق في صمت أنا ورفيقي في الغرفة فأسمع حولي همهمات بكلمات وأصواتٍ لأشخاص كأنما أعرفهم. في البداية شككت في صديقي وسألته، لكنه أنكر إنكارًا قاطعًا، ورغم ذلك لم أصدقه، فصرت أراقب شِفاهه خلسة، ثم فجأة أقوم بسؤاله سؤالًا مباغتًا محاولًا التركيز على شفتيه وقتما ينطق؛ لأقارن في تلك اللحظة إذا ما كنت أسمع تلك الكلمات لحظة ما بدأ صديقي بالكلام.

فلسفيًا، تتخذ اليوم فلسفة السيميائيات "علم العلامات" مكانة مرموقة في الفلسفة الحديثة والمعاصرة

بعد التأكد من أن ما كنت أسمعه ما هي إلا أوهام يختلقها عقلي، بتأويل أصوات مروحة السقف مثلًا، أو جلبة المارة والسيارات القادمة من الشارع عبر النافذة، بدأت أفكر في الكيفية التي يعمل بها العقل البشري، ويخلق معنىً ربما لا يكون متحققًا إلا داخل رأسه الصغير، وهي ظاهرة عقلية إنسانية، عرفت في المجتمعات العلمية باسم "الأبوفينيا"، كما عرفت حين تجسدها بصريا باسم الباريدوليا.

جون ناش: عقل جميل مشبع بالأوهام

كان أكثر ما شدني إلى هذه الظاهرة وقادني إلى البحث عنها هو أحد المشاهد في فيلم "عقل جميل" (A Beautiful Mind)، الفيلم الذي يصور حياة عالم الرياضيات الحائز على جائزة نوبل جون فوريس ناش، فقد صورت إحدى المشاهد تأمله نجوما في السماء، ليخلق منها نمطًا مانحًا العلامات المنثورة عشوائيًا في السماء شكلًا، ليقوم بعد ذلك بإسقاط الشكل المتخيل لتلك العلامات العشوائية على ربطة عنق، لتضفي عليها طابعًا جماليًا.

اقرأ/ي أيضًا: "صنع في السودان".. صناعات شبابية محلية تنافس العالمية

ناش أصيب بالفصام في حياته الحقيقية، ورغم عدم تطابق سيرته في الفيلم مع حياته الحقيقية، إلا أن العديد من أحداث حياته الفعلية تؤكد تنامي ظاهرة البحث عن الأنماط في عقله، ومن ثم انخراطه في إيجاد علاقات ما بين رموز مبعثرة عديدة، فسيرته تحكي أن العالم أصيب بارتياب حاد يعود لأن عالم الرياضيات الأمريكي شكّ في أن جهاز المخابرات السوفييتي آنذاك كان يسعى لعملية تخريبية داخل الولايات المتحدة، حيث يقوم أفراد تابعين لجهاز المخابرات السوفييتي يقومون بالتواصل ما بينهم عبر شفرات معينة يتبادلونها عبر الصحف بخوارزمية محددة، انهمك ناش في إيجاد تكرارها في عدد مهول من أعداد الصحف الأمريكية الصادرة يوميًا.

تخيل معي أنك تبحث عن متى تتكرر كلمة تبدأ بحرف (C) بعد كلمة تنتهي بـ (ed) يسبقها في الصفحة الثالثة من كل صحيفة، هذا بالضبط ما أنخرط فيه ناش بكل موهبته العقلية.

متاهات التأويل والقصد والدرس الفلسفي

فلسفيًا، تتخذ اليوم فلسفة السيميائيات "علم العلامات" مكانة مرموقة في الفلسفة الحديثة والمعاصرة، سواءً حين تطبيقها في علم اللسانيات والأدب أو حين تعاطيه مع مجمل الحياة كملعب للعلامات.

عند ذكر السيميائية لا نستطيع إلا ربطها بالنظرية التأويلية، والتي تعتبر تطبيقًا فلسفيًا في حقل السيميائيات، باعتبار أن ما يتم فهمه ليس إلا ما هو نتاج لربط بين علامات متعددة في حقل من الحقول، عبر عملية تركيب ومزاوجة وإيجاد وشائج بين العلامات المتناثرة والدلالات التي من الممكن أن تفضي لها.

اقرأ/ي أيضًا: تدشين نصب تذكاري للثورة بجامعة السودان للعلوم والتكنلوجيا

لكن شهد هذا الحقل الفلسفي انقساما حادًا بين مفكريه وفلاسفته، ففيهم من يقول بأن هناك تأويلٌ محدود وهناك ما هو تأويل مفرط، بخروجه عن النسق العلائقي بين العلامات لينتج تأويلًا "مختلًا" مفارق للدلالة الممكنة بحسب مواقعها في حقل من الحقول، وذلك عبر تخيّر علامات بعينها وتجاهل أخرى، وهو –بحسب الوقائع التاريخية والطب النفسي- ما حل بصديقنا ناش الذي كون دلالات "خاطئة" لعلامات كانت تظهر له ويؤولها.

يدافع عن محدودية التأويل أحد أشهر فلاسفة السيمائية والتأويل؛ الفيلسوف والروائي الإيطالي الراحل أمبرتو إيكو

يدافع عن محدودية التأويل أحد أشهر فلاسفة السيمائية والتأويل؛ الفيلسوف والروائي الإيطالي الراحل أمبرتو إيكو، يقول في كتاب التأويل والتأويل المفرط: "...لكن إذا أخبرنا جاك السفاح أنه فعل كل ما فعل على أساس من التأويل للعهد الجديد بحسب القديس لوقا، فإنني أشك أن العديد من نقاد [دعاة] التوجه نحو القارئ Reader- oriented فإنهم سيميلون إلى أنه قرأ القديس لوقا بطريقة منافية للعقل".

ربما انحسر الإنتاج الفكري لفلاسفة التأويل في الحقل الكتابي أو الإبداعي، لكن تجدر الإشارة أن مفهوم "القارئ"، قد يصلح للاستخدام في أي حقل من حقول العلامات، بما فيه التعاطي مع الكلام المنطوق، أو حتى مع المشاهد اليومية والعلامات المنثورة على قارعة الطريق.

يعود إيكو في مكان ما للكتاب ليؤكد أنه رغم تفهمه لنظرية (التوجه نحو القارئ) إلى أنه آسفًا، يجد نفسه مضطرًا للقول بأن جاك السفاح كان يحتاج لرعاية طبية.

في مديح التأويل المفرط

كان من أكبر الحجج التي يمايز فيها إيكو ما بين التأويل "المتسق مع موضع العلامات" –إن جاز لنا التعبير- وما بين ذلك المفارق لنسق العلامات، هو تبيان الفرق ما بين "تأويل النصوص واستخدام النصوص"، باعتبار أن التأويل المفرط هو مفارقة للقصدية واستخدامها من أجل غرض لا علاقة لبنيتها الداخلية به، سواءً صورة أو نص أو أي شكل من أشكل العلامات.

وردًا عليه يقول الفيلسوف ريتشارد رورتي –أنهم كبرجماتيين- لا يرون أي فرق ما بين التأويل والاستخدام، فبحسب مقال ردًا على إيكو في ذات الكتاب المشار إليه أعلاه، والذي كان سجالًا بينه وبين عدد من الفلاسفة دعاة التأويل المفرط: "أن أي شخص بأي ما كان يفعله فإنه يستخدمه" محاولًا القول أن حتى دعاة التأويل المحدود، هو أيضًا يتضمن استخدامًا للنص، لكن فقط بحسب حاجة المؤوِل، ويحاجج فيلسوف آخر في مكان ما من الكتاب قائلًا إن فاعلية التأويل الحقيقية تتجلى في تطرفه، معتبرًا أن التأويل المعتدل ليس إلا عملية اجماع.

العلامات والفن

ما هو الفن؟ سؤال يمكننا أن نطرحه لغويًا، لكن لن نطرحه من هذه الناحية، وإن كانت الناحية اللغوية تساعدنا في فهم دلالات الكلمة، لكن سألجأ إلى أن نفهم الفن بتمظهراته الحسية، فأول ما يتبادر إلى ذهن المفكر في الكلمة فسيرى شخصًا يقوم بتوليف ومزج أشياء عديدة مع بعضها ربما عجز أي شخص عادي أن ينجح في إخراجها بذلك الشكل الفني، كالبنائين مثلًا، أو في العروض الموسيقية حينما تنخرط جوقة العازفين في خلق مقطوعة موسيقية متكاملة باشتراك جميع الآلات.

إذًا سنقول إن الفن هو: عبارة عن عمليات مزج وتوليف لأشياء عديدة في أنساق تبدو أكثر جمالية مما كانت عليه منفردة، وبذلك أكون قد استطعت القول أن أساس العمل الفني هو الممازجة بين عدد من العلامات. 

اقرأ/ي أيضًا: تدشين نصب تذكاري للثورة بجامعة السودان للعلوم والتكنلوجيا

اللوحات الفنية كذلك تبدو مثالًا واضحًا لإيجاد علاقات ما بين نقاط عديدة على الورقة الخالية، كما نستطيع أن نفهم لماذا لطالما ارتبط الفن بالاختلال النفسي أو العقلي، حيث القدرة على الربط بين العلامات –أحيانًا بأشكال عشوائية للغاية- وإيجاد نمط داخلها كانت هي الميزة التي ميزت الفنان، كما أن العديد من الفنانين والمبدعين قاموا بإبداع أعظم أعمالهم في حالات اضطراب نفسي أو عقلي.

الإنسان يحاول بعقله المحدود خلق صورة مطابقة لما يفترض أنه الواقع، أو الخارج الذي ليس داخل عقله

في كل الحالات، ومهما اختلفت التأويلات واختلف الفلاسفة، إلا أن هناك مسلمة واحدة قد تجمع الجميع، وهي أن الإنسان يحاول بعقله المحدود خلق صورة مطابقة لما يفترض أنه الواقع، أو الخارج الذي ليس داخل عقله، والذي أيضًا اختلف الفلاسفة حول أنه هل يوجد فعلًا خارج عقله بمعزل عنه أم أنه لا يستطيع إدراكه مطلقًا، لأنه يدركه انطلاقًا من ذاته، لا في حقيقته التي تبدو مستحيلة.

اقرأ/ي أيضًا

"محاكمة سبعة شيكاغو".. التاريخ يراوح مكانه

حقيبة مدرسية من صنع اليد في مواجهة قلة خيارات السوق