السودان.. السياسة بدون مال سياسي
10 أبريل 2025
في بداية العام الحالي، كان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على موعد مع أحد أكثر القرارات التنفيذية تأثيرًا على السياسة في العالم، خصوصًا السياسة في الدول التي تُسمّى طبقيًا بدول العالم الثالث؛ لقد أوقف ترامب، مؤقتًا، جميع المساعدات الخارجية التي كانت تقدّمها الولايات المتحدة الأميركية، وأخضعها للمراجعة.
هذا القرار قاد تلقائيًا إلى توقّف الآلاف من الأنشطة السياسية والمشاريع المموّلة لصالح منظمات المجتمع المدني غير الحكومية، عن طريق وكالاتها الضخمة ذات التأثير الفعّال في الدول الأطراف من العالم.
ففي السودان، على سبيل المثال، توقّفت عدة صحف على الإنترنت، وعانت أخرى في قدرتها على الإنفاق، ووصل التأثير إلى أن "70% من برامج دعم الإعلام السوداني توقّفت بسبب إنهاء نشاط المعونة الأميركية"، كما يقول لـ"الترا سودان" نقيب الصحفيين السودانيين، عبد المنعم أبو إدريس. وكذلك اضمحلت إلى حدود دنيا قدرة مئات المنظمات على تقديم خدماتها المعتادة في أوساط المواطنين، بعد أن كانت مزدهرة وتصدح رنّانة بصوتها السياسي الناعم.
فيصل دراج: عالميًا، حلّت العقود الثلاثة الأخيرة على العالم، وجلبت معها انهيار الأحزاب السياسية المدافعة عن المصلحة الاجتماعية
عالميًا، حلّت العقود الثلاثة الأخيرة على العالم، وجلبت معها انهيار الأحزاب السياسية المدافعة عن المصلحة الاجتماعية، كما جلبت معها انطفاء فكرة السياسة بشكلها القديم، وتهميش أدوار الدولة الوطنية والأحزاب السياسية، كما يقول الكاتب فيصل دراج. فهل كان السودان استثناء؟ الأمر ليس كذلك، مما يطرح السؤال حول إمكانية تخلّق مجتمع سياسي جديد بخطاب سياسي جديد، أو عودة النمط السياسي القديم.
وفي الواقع، وبغض النظر عن المآل الذي خلّفته الحرب الحالية المندلعة بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ نيسان/أبريل 2023، كان الخطاب السياسي السائد في السودان قبل ذلك، في غالبه، هو ما تقترحه المنظمات المموّلة. وكانت تعمل على ترسيخ اقتراحاتها بوصفها "سياسات بديلة"، بل كانت هذه المنظمات المموّلة جزءًا أصيلًا من العملية السياسية، متفوّقة في التعبير عن نفسها على الأحزاب والتيارات السياسية المعروفة في السودان، والتي أصابها الفقر لعقود طويلة. وفي طريق التعبير عن نفسها، خاضت المنظمات معارك سياسية وقانونية شرسة ضد ديكتاتورية نظام عمر البشير.
حين سقط نظام عمر البشير في أبريل/نيسان 2019، كانت هذه المنظمات مستعدة للحصول على المكافأة، وأصبحت من القدرة بحيث إنها حصلت على تمثيل في مجلس السيادة الانتقالي والجهاز التنفيذي لحكومة ثورة ديسمبر 2018.
بعد اندلاع الحرب، تحوّلت العديد من أنشطة منظمات المجتمع المدني إلى العواصم والمدن الكبيرة في دول الجوار، لا سيّما كمبالا، ونيروبي، وأديس أبابا، وأصبحت هي عواصم الفعل السياسي السوداني، بكل ما في ذلك من تعقيدات وتأثيرات فعّالة.
وزير الإعلام الأسبق: قرار تجميد تمويل الحكومة الأميركية لكثير من الأنشطة الإنسانية الخارجية، والتلويح بتجميد أو خفض تمويل وكالات الأمم المتحدة، يؤثر سلبًا على النشاط المدني والإنساني عالميًا
يقول وزير الإعلام في الحكومة الانتقالية المُنقلب عليها، حمزة بلول الأمير، لـ"الترا سودان"، إن قرار تجميد تمويل الحكومة الأميركية لكثير من الأنشطة الإنسانية الخارجية، والتلويح بتجميد أو خفض تمويل وكالات الأمم المتحدة، يؤثر سلبًا على النشاط المدني والإنساني عالميًا. ويضيف الأمير، وهو ناشط سياسي منذ أيام الدراسة الجامعية وعضو ملتزم في الحزب الاتحادي الديمقراطي: "السودان، بوصفه دولة فقيرة في الأساس وتعيش حالات نزاع مستمرة، كان يتلقى دعمًا أميركيًا بشكل مباشر في بعض الفترات، وغير مباشر في أغلب الأوقات.. الآن، في ظل هذه الحرب الممتدة لمدة عامين، يحتاج الشعب السوداني إلى تضافر الجهود الدولية للخروج من الكارثة الإنسانية الماثلة. لكن، في ظل خفض المساعدات الأميركية وقصرها على مجالات محددة، فإن انعكاس هذا القرار سيكون شاملًا للمشهد في السودان".
إن مغادرة العديد من المنظمات عقب الحرب، وتوقّف تمويل المشاريع المتعلقة بالتثقيف المدني والمشاركة السياسية، أثّر على قدرة منظمات المجتمع المدني، من واقع اعتمادها الكبير على التمويل الخارجي في تمويل أنشطتها. وهذا التحدي واجه المنظمات التي لا تعمل في المجال الإنساني بشكل أكبر؛ حيث إن تعاظم الكارثة الإنسانية، من جانب، والتضييق الأمني، من جانب آخر، جعلا التركيز من قبل المنظمات المموّلة ينصب على البرامج والمشاريع ذات الطابع الإنساني.
نقيب الصحفيين: كثير من برامج تدريب الصحفيين تأثرت بوقف عمل المعونة الأميركية، إذ كانت تموّل جزءًا مقدّرًا لعدد من المراكز المعنية بتطوير قدرات الصحفيين
وعلى سبيل المثال، يقول نقيب الصحفيين السودانيين، عبد المنعم أبو إدريس، إن كثيرًا من برامج تدريب الصحفيين تأثرت بوقف عمل المعونة الأميركية، إذ كانت تموّل جزءًا مقدّرًا لعدد من المراكز المعنية بتطوير قدرات الصحفيين. وكذلك تأثرت برامج دعم الحريات الصحفية التي كانت تموّلها جهات أميركية. ويضيف: "إجمالًا، يمكن القول إن 70% من برامج دعم الإعلام السوداني توقّفت بسبب إنهاء نشاط المعونة الأميركية".
عمليًا، ثمة مليارات الدولارات صُرفت على مئات وآلاف المشاريع التي تقوم بها المنظمات المموّلة خارجيًا. كان الغرض منها تحديد وصناعة سياسات قد لا تتطابق مع خيارات الشعوب، وربما حدّدت هذه الأموال أولويات الخطاب السياسي والإعلامي عنوة. وفي كل مرة، لا تعدم هذه الأموال المتدفقة أناسًا يخدمونها بقناعة أو استرزاقًا، لتتماهى خالقةً الخطاب السياسي البديل.
لكن حمزة الأمير يبتعد عن السياق العام للدعم والمساعدات الأميركية، ويقول في حديثه لـ"الترا سودان": "من ناحية الأثر على النشاط السياسي، فإنه محدود رغم أهميته، إذ لا يوجد ما يحمل على الاعتقاد بتأثير الأموال الأميركية بشكل مباشر على القوى السياسية بشكل عام، أو حتى على أطراف النزاع الحالية التي تتحكم في البلاد بقوة السلاح، إذ لا تتلقى مالًا من الولايات المتحدة لدعم سيطرتها.
لكن في المقابل، توفر الإدارة الأميركية الدعم الإنساني الأكبر منذ بداية الحرب، وبالتالي يظل النشاط المدني غير المرتبط بالسياسة بشكل مباشر متضررًا بشكل أساسي من وقف التمويل الأميركي؛ إذ لا يمكن للمساهمات الأوروبية، أو من دول أخرى كاليابان، أن تغطي الفراغ. بالتالي، من المتوقع أن تنخفض أو تتوقف الفعاليات المرتبطة بالتوعية السياسية والثقافية والمجتمعية.
وبالنسبة للأمير، هذه أنشطة "مرتبطة بتعزيز مفاهيم العدالة، ودولة القانون، ومكافحة خطابات الكراهية، والعمل على دعم الأنشطة والرؤى المرتبطة بالتحول الديمقراطي".
ويؤكد الأمير أن المتضرر الأول من قرار وقف التمويل الأميركي في السودان هم غالبية أفراد الشعب، الذين يحتاجون إلى تفعيل الأنشطة الثقافية والفكرية والتوعوية، لتساعدهم في محاصرة خطاب التعبئة الحربية المسيطر، بفضل الإمكانيات المادية الكبيرة لأطراف الحرب.
ويشير وزير الثقافة والإعلام السابق إلى أن وقف التمويل يسهم سلبًا في مسار وحدة البلاد، ويجعل الساحة خالية أمام الجهات التي أشعلت الحرب، والتي لديها استراتيجية واضحة لتقسيم السودان.
الكلمات المفتاحية

على خط النار: كادوقلي تواجه خطر التحول إلى ساحة حرب
لم تعد كادوقلي تلك المدينة التي ظل الناس من شرقها وغربها يقصدونها كلما اشتدت المعارك البرية؛ فمنذ حرب عام 2011، والتي تُعرف محليًا باسم "ستة ستة"، ظلت كادوقلي ملاذًا للمواطنين الهاربين من ويلات القتال

يونيسفا.. تعرف على بعثة حفظ السلام في منطقة أبيي
أعاد استهداف مقر بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في مدينة كادوقلي بولاية جنوب كردفان، تسليط الضوء على طبيعة ومهام بعثة حفظ السلام الأممية في السودان، المعروفة باسم قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي (يونيسفا)

الخرطوم تستعد لعودة الوزارات.. بين أمل الإعمار وتحديات الواقع
بدأت الوزارات الحكومية والهيئات الاتحادية في العاصمة الإدارية بورتسودان، تستعد للتوجه إلى الخرطوم بعد غياب دام نحو 3 أعوام،

هجليج تحت سيطرة الدعم السريع.. هل سيعود إنتاج النفط؟
في الثامن من ديسمبر، تبدّل ميزان الحرب مرة أخرى بعد إعلان قوات الدعم السريع سيطرتها على منطقة هجليج النفطية بولاية غرب كردفان، أحد أهم المراكز الاستراتيجية في شبكة تدفّق نفط جنوب السودان عبر الأراضي السودانية إلى ميناء بورتسودان. هذا التطور فُهم فورًا كتحول يمس اقتصاد البلدين، لا مجرد تبدّل ميداني.

الخارجية: البرهان يختتم زيارة ناجحة للسعودية ويبحث تعزيز العلاقات الثنائية
اختتم قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، مساء الاثنين 15 كانون الأول/ديسمبر 2025، زيارة ودية للملكة العربية السعودية، التقى خلالها الأمير محمد بن سلمان ولي عهد المملكة، لمناقشة مسار العلاقات الثنائية بين البلدين وسبل تعزيزها وتطويرها ضمن شراكة استراتيجية مستدامة عبر مجلس التعاون الاستراتيجي.

حزب المؤتمر السوداني ينفي انضمامه إلى "تحالف تأسيس"
نفى حزب المؤتمر السوداني توقيعه على ما يُعرف بـ"ميثاق السودان التأسيسي"، واعتبر ما نُشر بهذا الشأن بيانًا "باطلًا جملةً وتفصيلًا"، مؤكدًا أن اسمه استُخدم دون أي تفويض أو سند تنظيمي.

قرار حكومي باعتماد أسعار الغاز الجديدة في الخرطوم
أعلنت ولاية الخرطوم، اليوم الاثنين 15كانون الأول/ديسمبر 2025، اعتماد التعديلات في أسعار أسطوانات الغاز ولتر الغاز للاستخدامات المختلفة.

الجيش يشن غارات جوية على مواقع الدعم السريع في شمال كردفان
شنّ الطيران الحربي التابع للجيش السوداني، الاثنين 15 كانون الأول/ديسمبر 2025، غارات جوية على مواقع تمركز قوات الدعم السريع في ولاية شمال كردفان.
