ultracheck
رأي

السلام في خلافات تجمع المهنيين: أولوية أم كرت ضغط؟

8 يونيو 2020
32_8.jpg
ميدل إيست أونلاين
سانديوس كودي
سانديوس كوديكاتب ومدون من السودان

"من الذي قال إن مفاوضات السلام لن تقود إلى سلامٍ عادلٍ وشامل؟"

هكذا تساءل عضو تجمع المهنيين السودانيين إسماعيل التاج في المؤتمر الصحفي الأخير الذي عقدته بعض عضوية السكرتارية القديمة، والذي كان الغرض الأساسي منه بحسب ما تم إعلانه، هو توضيح تفاصيل الخلافات التي تصاعدت مؤخرًا بين مكونات التجمع. ولكن قضية السلام برزت بقوة لتشكل إحدى محاور الخلاف الرئيسة بين الطرفين كما ظهر للعلن. كان عضو السكرتارية القديمة محمد ناجي الأصم من المتحدثين في المؤتمر الصحفي، والذي عقد بمقر وكالة السودان للأنباء، وقد وصف موقف سكرتارية تجمع المهنيين الجديدة من منبر التفاوض لمباحثات السلام بجوبا، بغير المنطقي وغير المتوقع قائلًا: "أي موقفٍ ضد عملية السلام هو موقف غير منطقي وغير متوقع ما دامت الأطراف المشتركة فيه متوافقة على المنبر وشروطه. من المنطقي نقد المنبر ومحاولة إصلاحه لكن دون رفضٍ كاملٍ له".

قد تشير السجالات والخلافات الحادة بين طرفي التجمع إلى وجود اختلافٍ كبيرٍ في وجهات النظر بينهما في موقفهما من عملية السلام بجوبا، ولكن  على أرض الواقع؛ هل يوجد ذلك الخلاف الكبير في قضية السلام بين الطرفين؟

أتت هذه التصريحات ردًا على بيانٍ كان قد نشرته السكرتارية الجديدة بالاشتراك مع تجمع القوى المدنية على صفحة تجمع المهنيين، حيث أعلنت فيه موقفها من شكل حكم الدولة وكذلك عن منبر التفاوض بجوبا. وعلى الرغم من أن موقف التجمع الذي أعلن فيه عن موافقته على علمانية الدولة وفصل الدين عن الدولة هو الذي نال حظًا أكبر من الإثارة والنقاش بين القبول والرفض، إلا أن تصريحات الأصم والتاج  وهجومهما على السكرتارية الجديدة كان ردًا على الجزء المتعلق بموقف التجمع من مفاوضات السلام بجوبا، والذي جاء فيه أنه تم الاتفاق على أن عملية السلام الدائرة في جوبا حاليًا سوف لن ‏تفضي إلى سلامٍ عادلٍ ومستدام، فهي عمليةٌ جزئية كما ورد في بيان السكرتارية الجديدة، والذي قال أيضًأ إنه تم الاتفاق على عدم دستورية مهام المجلس الأعلى للسلام، كما أكد الطرفان على الموقف من رفض المشاركة فيه. كذلك اتفق الطرفان ‏على أن عملية السلام ينبغي أن تدار بواسطة رئيس الوزراء، وأن تكون شاملةً وعلى أساس القضايا وليس المسارات، وأن يتم العمل على صياغة ‏رؤية وطنية مشتركة للسلام يتم نقاشها مع جميع الأطراف.

اقرأ/ي أيضًا: خلافات تجمع المهنيين.. هل تخدم الحراك النقابي؟

حاول إسماعيل التاج في تصريحه تفنيد بعض حجج الرفض مؤكدًا أن تجمع المهنيين جزءٌ من منبر جوبا تلبية لرغبة الشارع، فكيف يرفض نفس المنبر بضربة لازب؟ وأضاف في رده على ضرورة أن تدار العملية بمجلس الوزراء، أن الحكومة موجودةٌ في المنبر بقياداتٍ حقيقية ووزراء مثل وزير رئاسة مجلس الوزراء ووزير الحكم الاتحادي ووكيله ووزير العدل ووكيل وزارة المالية، فأي حكومة تطالبها بعض الجهات بالمشاركة إذًا؟ 

قد تشير السجالات والخلافات الحادة بين الطرفين إلى وجود اختلافٍ وتباعدٍ كبيرٍ في وجهات النظر بينهما في موقفهما من منبر التفاوض في جوبا لدرجة أن يسمي أحدهما موقف الآخر بالتخريب الواضح وغير المسموح به، ولكن على أرض الواقع؛ هل يوجد  ذلك الخلاف الكبير في قضية السلام بين الطرفين؟ أو ما هو موقف السكرتارية القديمة المعلن من منبر التفاوض بجوبا؟

من خلال البحث بين صفحات التجمع والمواقع الإلكترونية الموثوقة عن موقف السكرتارية القديمة لتجمع المهنيين من مفاوضات السلام في جوبا، نجد أن موقفها كان متذبذبًا بين الدعم الخجول خلال الفترة الأولى في بداية عمليات التفاوض، ثم المشاركة الصريحة، ثم علو أصوات الرفض الواضح لمنبر التفاوض في جوبا من قبل تجمع المهنيين. السمة العامة لموقف تجمع المهنيين في المرحلة الأولى التي استمرت حتى شباط/فبراير الفائت، كانت الإشادة ببعض ما تحققه المفاوضات من نجاحاتٍ وتقدم، وذلك من خلال تصريحات بعض أعضائها المشاركين في جلسات التفاوض مثل إبراهيم التاج نفسه، أو بنشر بيانات المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير التي تشيد وتدعم منبر التفاوض في جوبا، ومن المعروف أن التجمع جزءٌ من هذا المجلس. فمثلًا البيان المنشور على صفحة تجمع المهنيين بتاريخ 31 كانون الثاني/يناير 2020، يؤكد في الفقرة الثانية منه، على التثمين على التقدم الملحوظ في مفاوضات السلام الجارية في جوبا، والتأكيد على أن القضايا العالقة يمكن معالجتها بروح الثورة. كما أن بيانات وتصريحات وفد التفاوض كانت تؤكد على وجود توافقٍ تامٍ بين مكونات التحالف الحاكم حول عملية السلام. مثلًا نقرأ تصريحًا للمتحدث الرسمي باسم المجلس الأعلى للسلام، في الثاني من شباط/فبراير المنصرم، يؤكد فيه الوصول لاتفاقٍ تام بين مؤسسات السلطة الانتقالية في المواقف حول القضايا التفاوضية الكلية. لم تغب أيضًا بعض محاولات النقد الخجولة لبعض ما تفتقت عنه جلسات التفاوض، ولكنها لم تتحول لموقفٍ رسمي.

اقرأ/ي أيضًا: سكرتارية تجمع المهنيين المنتخبة تتهم بعض القيادات برهن التجمع لمصالحها الخاصة

وعطفًا على مشاركة بعض أعضاء تجمع المهنيين المباشرة في جلسات التفاوض، يمكننا استنتاج أن الموقف العام كان داعمًا للمنبر. ولكن من ناحيةٍ أخرى لم تكن هناك حملة بائنة أو متابعة ملحة للمنبر تناسب أهمية عملية السلام كأحد أولويات الفترة الانتقالية بما يتوافق مع توقعات الكثيرين بأن يكون تجمع المهنيين هو قائد تحالف الداعمين لعملية السلام، بافتراض أن مصالح بعض القوى السياسية قد تتعارض أو تتقاطع مع عملية السلام ونتائجها لدرجة أنها قد تعمل بشكلٍ صريح على عرقلة عملية السلام. ويجب هنا الالتفات إلى أن الكثيرين من المهتمين بقضية السلام كانوا قد أشاروا لعدم إيلاء التحالف الحاكم لأمر السلام الأهمية المطلوبة. ولكن من بعد آذار/مارس، وخاصةً بعد إلحاق بعض أعضاء قوى الحرية والتغيير بالمجلس الأعلى للسلام وعلو الأصوات الرافضة للأمر وللمجلس الأعلى للسلام كبديلٍ لمفوضية السلام، بدا أن التجمع يغير من موقفه سلبيًا تجاه العملية كلها، وذلك إلى أن أعلن موقفًا رسميًا رافضًا لمنبر جوبا في رسالةٍ بعثها للمجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير بتاريخ 30 آذار/مارس 2020، يبين محتواها أن موقف التجمع حينها لا يختلف عن الموقف المعلن من السكرتارية الجديدة حيث جاء في متن الرسالة: 

"لقد وصلنا إلى يقين تام بأن المنهج المتبع في مفاوضات جوبا لن يقضي الى ما ننشده من سلام دائم في بلادنا ولهذا قررنا ان نتقدم بهذه الرسالة"

 ثم حوت الرسالة أسبابًا لرفض المنبر لا تختلف كثيرًا عن التي أعلنتها السكرتارية الجديدة من رفض للمسارات ووجوب حل المجلس الأعلى للسلام.

من الأرجح أن الأطراف المتصارعة في تجمع المهنيين تستخدم قضية السلام كاداة للضغط والابتزاز المتبادل في الصراع فيما بينها

لم يثر حينها الأمر ضجيجًا داخل تجمع المهنيين كما ما تم إثارته الآن، على الرغم من تشابه الموقفين، مما يشير إلى أن الفتور من منبر جوبا وعدم التعامل الجاد مع عملية السلام كان ايضًا ملازمًا لسكرتارية التجمع القديمة بتأخير موقفه من ما تم الإعلان عنه لاحقًا أنه انتهاك للوثيقة الدستورية، بل وبالمشاركة في جلسات التفاوض المباشرة ثم العودة للانقلاب متأخرًا على موقفه المعلن. وإن افترضنا أن رسالة السكرتارية القديمة لمجلس قوى الحرية والتغيير كانت تعبر عن رأي جناح داخل تجمع المهنيين في سياق الصراع بينهما، إلا أن ردة الفعل الفاترة حينها وعدم الجهر برفض البيان يخصم من ادعاءات أعضاء السكرتارية القديمة بأن قضية السلام هي محور خلافٍ كبير، بل ويرجح أن تجمع المهنيين بكل أطراف صراعه لا يولى مسألة السلام مقامًا يليق بأهميتها، بل إن هذه الأطراف لا تتوانى في استخدامه كاداة للضغط والابتزاز المتبادل في الصراع فيما بينها.

اقرأ/ي أيضًا

من سيغسل أيادي العسكر من دماء شهداء مجزرة القيادة؟

متى كان "الصادق المهدي" مع الثورة؟

 

الكلمات المفتاحية

الملح

الملح في حروب جبال النوبة‎

في حروب جبال النوبة لم تكتب كل الوقائع في الوثائق، ولم تقع جميعها ضمن حبر الباحثين والكتاب، فكثير من الأحداث الكبرى ظل محفوظًا في الذاكرة الشفاهية،


استقلال السودان

في الذكرى الـ"70" للاستقلال.. ماذا فعلنا بالبلاد؟

أطلت قبل أيام الذكرى السبعين للاستقلال المجيد؛ الذي جاء ثمرة كفاح طويل وسعي حثيث للتحرر الوطني من ربقة الاستعمار الإنجليزي، قُدِّمت في سبيله الأرواح


الجزار

فَرَّار الجزار

قبل الحرب بأشهر قليلة، التقيت الجزار موسى الضي، وبعدها هجر زاويته المعهودة عند "استوب" شقلبان في شارع الثورة بالنص، مثله مثل كل الوجوه


لجان المقاومة.jpg

ذكرى ثورة ديسمبر.. الأحلام التي دهستها سنابك الثورة المضادة

أنجزت ثورة ديسمبر وعدها بالإطاحة بنظام الإنقاذ الذي جثم على صدور السودانيين لثلاثة عقود ونيف؛ تمكن فيها الإسلاميون من احتلال كامل جهاز الدولة، وتحطيمه، عبر سياسة التمكين وإحلال كوادرهم في مفاصل الدولة كافة.

الطقس.jpg
أخبار

هيئة الأرصاد: أجواء شتوية شمالي السودان ونشاط للرياح في بعض الأنحاء

أكدت الهيئة العامة للأرصاد الجوية، في نشرتها اليومية لأحوال الطقس، استمرار الأجواء الشتوية في معظم أنحاء البلاد خلال الأيام الثلاثة المقبلة

الفاشر.jpg
أخبار

مسعد بولس يعلن وصول أول شحنة مساعدات إلى مدينة الفاشر

أعلن مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، وصول أول شحنة مساعدات إنسانية إلى مدينة الفاشر، غربي السودان، للمرة الأولى منذ أكثر من عام ونصف.


شابان من جنوب السودان
أخبار

شابان من دولة جنوب السودان ينظمان تحديًا إنسانيًا في بريطانيا من أجل السودان

نفذ شابان من دولة جنوب السودان تحديًا إنسانيًا بقطع مسافة طويلة عبر المملكة المتحدة، من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، بهدف تسليط الضوء على الأوضاع الإنسانية المتدهورة في السودان، وجمع تبرعات لدعم تعليم الأطفال المتأثرين بالحرب.

نازحون سودانيون
أخبار

مفوضية اللاجئين: نزوح 170 ألفًا من الفاشر وكردفان بسبب انعدام الأمن

أكدت مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة أن نحو 170 ألف شخص نزحوا مؤخرًا من مدينة الفاشر وإقليم كردفان جراء الصراع المسلح، الذي يكمل عامه الثالث في نيسان/أبريل المقبل.

الأكثر قراءة

1
أخبار

من قلب أم درمان.. كامل إدريس يوجه بإنشاء 20 مدرسة صناعية


2
أخبار

أطباء بلا حدود تنهي دعم مستشفى النو في أم درمان وتواصل عملها في الخرطوم


3
أخبار

الجيش السوداني يعلن تدمير قوة للدعم السريع في الكويك بولاية جنوب كردفان


4
أخبار

نقابة الصحفيين: مقتل 14 صحفيًا في 2025 والفاشر بؤرة معتمة للانتهاكات


5
أخبار

وزير الخارجية المصري يطالب بهدنة عاجلة في السودان ويحذّر من تمدد النزاع إلى دول الجوار