الذهب في السودان..موت مجاني ومقابر مفتوحة

الذهب في السودان..موت مجاني ومقابر مفتوحة

التعدين الأهلي بمنطقة أبو حمد

نعت الشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة وفاة ما يقارب (40) معدنًا تقليديًا جراء انهيار منجم أم دريساية بوحدة فوجا الإدارية، التابعة لمحلية النهود بولاية غرب كردفان.

حادثة تحمل في طياتها كثير من الألم ووجع الفقد، من أجل البحث عن الذهب. فمتى يصل السودان للمرحلة صفر ويطوي قضية التعدين التقليدي؟

معدِّن لـ"الترا سودان": الموت قضية طبيعية بمناطق الذهب وعادة ما يموت الناس جراء الاختناق وانعدام الاكسجين

موت كثير

وفاة ما يقارب (40) معدنًا تقليديًا، قصة ذات أبعاد إنسانية غير معروفة، وراء كل فرد عائلة كاملة تنتظره، وخرجت بعد وفاته بحثًا عن الجثة في أعماق المناجم تمهيدًا لدفنه. 

اقرأ/ي أيضاً: حصاد 2021.. عام مليء بالأحداث حتى اللحظات الأخيرة

فهل تثني قصص الموت المجانية المعدنين التقليديين من مزاولة المهنة، في ظل أوضاع تفتقر لأبسط مقومات السلامة والضمانات للبقاء على قيد الحياة، وانعدام الأكسجين داخل المناجم، بالإضافة لاحتمالية تواجد الكائنات السامة حول آبار الذهب؟ 

وفي حديث مع المعدن التقليدي من منطقة جنوب كردفان، مقبول صدام فضل الله، شرح بأن الموت قضية طبيعية بتلك المناطق "الموت كثير هنا، بداخل المناجم لا وجود لأكسجين وعادة ما يموت الناس جراء الاختناق"، ويواصل بأن منطقة "القناي" شهدت في الأعوام 2011-2012 موت أفراد لم يتمكن ذويهم من إخراج جثثهم من داخل أعماق المناجم.

يعترف مقبول بإن التعدين التقليدي لا يقدم خدمات للدولة. ما يقودنا لسؤال كيف توزع أرباح أحجار الذهب؟ يقول لـ"الترا سودان" إنه لا استخدام لمواد الزئبق والسيانيد، إنما عمل بالأيدي لاستخراج حجارة من الذهب، وتذهب (50%) من قيمتها للعمال، الذين عادة ما يبلغ عددهم (140) عاملًا بالمناجم يشتغلون بنظام الورديات، (25%) تكون من نصيب المستثمر، والذي عادة ما يحمل جنسية أجنبية، و (25%) لملاك بئر الذهب.

ويذهب بالقول، إن التعدين التقليدي يعد مصدراً للمواطن "في حال فقد الشباب وظائفهم ربما يلجأون لتعاطي المخدرات أو السرقة"، ودعا وزارة المعادن لبدء حوار طويل مع إنسان المنطقة حول قضايا التعدين، قال بإن الحكومة ترغب بعمل وإنتاج سريع، في وقتٍ يحتاج فيه إنسان المنطقة لإدارة حديث مطول حول قضاياه وانعكاس التعدين عليه. كما يقول المعدن مقبول صدام.

لماذا التعدين العشوائي؟

منذ اكتشاف البترول في السودان عام 2000 وإلى انفصال الجنوب 2011 كان البترول هو المصدر المالي الأول في السودان. بعد الانفصال تربع الذهب على قائمة الموارد المادية للدولة السودانية. فلماذا لا تتجه الدولة نحو التعدين المنظم والواقع تحت إشرافها، للاستفادة القصوى من مورد الذهب؟

يرى الخبير في مجال البيئة محجوب حسن، بأن التعدين العشوائي والمنظم سواء. وعلل حديثه بالقول، إن الفرق يكمن في استخدام التعدين المنظم للمعامل الحديثة والتكنولوجيا، بينما الطريقة والقوانين الحاكمة لتأسيس المصانع وتقويمها، وصولًا لعمليات الاستخراج ومتابعة حركة الذهب وتوزيعها، مليئة بالثغرات الواضحة، بالإضافة لعدم إنزال القوانين لأرض الواقع. على حد قوله.

اقرأ/ي أيضًا: انهيار 8 آبار تعدين يؤدي لمقتل العشرات بمنطقة فوجا

وأردف الخبير البيئي بالقول، إن دراسات الآثار البيئية للمصانع "تحصيل حاصل" بغرض الحصول على تصديق وتمويل. وأعقب بأن عدم الاستقرار الإداري بوزارة المعادن يعد عاملًا في استمرار ظاهرة التعدين العشوائي. 

ويشير محجوب حسن إلى أن ذهب السودان يباع بأسعار زهيدة في دول الخليج، ويهرب جزء منه خارج البلاد، ويتساءل أين هي الجهة المسؤولة عن قفل هذه الأبواب؟

رئيس لجنة مناصرة البيئة: استمرار التعدين العشوائي يعود لتنصل الدولة من الرعاية

واقع أليم

وعزا البيان الصادر من الشركة السودانية للموارد المعدنية، أسباب انتشار التعدين العشوائي لحالات التسلل من قبل (الكوماجيين) المتفلتين، مطالبًا بتشديد الرقابة الأمنية، لمحاصرة حالات الانهيار وفقدان الأرواح المتكررة.

والكوماجيين هم الأفراد العاملين في مواقع و آبار مهجورة، وعادة ما يأتي فرد للبحث عن بئر بها عروق من الذهب ويغادر.

وعزا رئيس لجنة مناصرة البيئة وسكرتير السياسات في تجمع الأجسام المطلبية، علي تونجا، استمرار التعدين العشوائي لتنصل الدولة من الرعاية، وإلقاء جزء من العبء على الشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة، بالإضافة لانعدام الرغبة لوقف التعدين التقليدي وسيطرة المستفيدين من القطاع.

وأوضح تونجا لـ"الترا سودان" بإن قطاع التعدين يعد أكثر القطاعات الإنتاجية تنظيمًا في السودان، ويشير لانعقاد أول مؤتمر في الفترة الانتقالية عن قضايا التعدين في 2019 بعد تكوين الحكومة الأولى. يقول: "وضعنا خطة للوصول بالتعدين التقليدي للنقطة صفر"، وعزا تأخر النتائج لغياب الإرادة السياسية وسيطرة الرأسمالية على القطاع.

ومضى تونجا قائلًا، إن المعدنين التقليديين يحصلون على (30%) من قيمة المنتج من الذهب، بينما إذا كانت عمليات الكشف والبحث تتم عن طريق شركات، فإن ستدفع أكثر من (30%) في إشارة لاستغلال الشباب وتحول المستفيدين لمافيا ذهب.

جهود متواصلة

كيف تواجه الشركة السودانية للموارد المعدنية، وهي الذراع الرقابي على قطاع التعدين سواء التقليدي أو المنظم، حالات الوفاة المتكررة جراء عمليات التنقيب العشوائي عن الذهب؟

يجيب مسؤول الإعلام بالشركة السودانية للموارد المعدنية، إسماعيل جبريل، بأن الشركة لا تعمل بمنطقة الانهيار، لرفض الأهالي عمل الشرطة دون الاستيفاء بشروط المسؤولية المجتمعية. 

ويضيف جبريل بالقول: "إن مشاكل التعدين التقليدي تتمثل في التوغل على المربعات الخاصة بالشركات، وعدم الالتزام بالاشتراطات الصحية، وغياب الوعي الكافي".

ويضيف جبريل بأن الشركة شرعت منذ أيلول/سبتمبر المنصرم، في حصر وتحديث بيانات العاملين في قطاع التعدين التقليدي، بدءًا من ولايات نهر النيل وكسلا والقضارف.

إن مشاكل التعدين التقليدي تتمثل في التوغل على المربعات الخاصة بالشركات، وعدم الالتزام بالاشتراطات الصحية

وقال في هذا الصدد لـ"الترا سودان" بإن الشركة تعمل على بناء إمكانيات وقدرات العاملين في قطاع التعدين التقليدي، لتحويلهم لقطاع منظم أو جمعيات إنتاج أو شركات. 

لن تكون حادثة وفاة ما يقارب (40) معدنًا تقليديًا هي الأخيرة في مناطق ينتشر فيها الموت المجاني، فهل تنجح الجهود الرسمية في ثني المنقبين عن الذهب عشوائيا، للتوجه للقطاع المنظم والنجاة من الموت؟

اقرأ/ي أيضا

"فريدوم هاوس": السودان لم يكن حرًا في 2021

موازنة 2022.. الاضطراب يسيطر على وزارة المالية