الحرب تغير ملامح رمضان.. قصص نازحين بين عطبرة وسنار والقضارف وكسلا
25 فبراير 2026
غيرت الحرب ملامح رمضان في السودان، فمنذ اندلاعها في العاصمة الخرطوم، اضطرت آلاف الأسر إلى النزوح نحو ولايات السودان المختلفة بحثًا عن الأمان، تاركين خلفهم منازلهم وأعمالهم وكل ما يربطهم بحياتهم السابقة.
الحرب التي اندلعت في شهر رمضان نفسه قبل ثلاثة أعوام، خطفت من السودانيين دفء الشهر وطمأنينته، وأطفأت شيئًا من روحه التي اعتادها الناس. موائد الإفطار السودانية الجماعية المألوفة التي كانت تضج بالأهل وروائح الطعام الشهي وبركة الأيادي الكثيرة، صارت في عديد من البيوت انتظارًا ثقيلًا لوجبة قد تصل أو لا تصل، من فاعل خير أو مبادرة محلية أو منظمة إغاثة. ومع النزوح وتعطل الأعمال وانقطاع الأرزاق، تبدل معنى الشهر في حياة كثيرين؛ لم يعد موسمًا للسكينة وصلة الرحم، بل أيامًا مثقلة بالقلق، وصبرًا يوميًا على الجوع ووجع الفقد والحنين.
عطبرة
تروي المواطنة النازحة عواطف عباس لـ"الترا سودان" قصة ثلاثة أعوام بلا لحم، وتقول إنها لم تتذوق قطعة لحم طوال ثلاثة رمضانات منذ نزوحها من العاصمة الخرطوم إلى مدينة عطبرة بولاية نهر النيل. وتابعت: "لنا ثلاثة رمضانات ما جاتنا لحمة، عصيدة وتقلية وروب ونوعان فقط من العصائر".
نازحة في عطبرة لـ"الترا سودان": الإفطار في رمضان يأتي عبر توزيع وجبات من خيرين ومبادرات محلية مثل "كيس الصائم"
وأشارت عواطف، في حديثها لـ"الترا سودان"، إلى أن الإفطار في رمضان يأتيهم عبر توزيع وجبات من خيرين ومبادرات محلية مثل "كيس الصائم"، إضافة إلى توزيع وجبات قبل أذان المغرب بساعة، موضحة أنه لا مجال للمقارنة بين رمضان في أم درمان ورمضان في عطبرة. ولفتت إلى أن رمضان في المنزل ليس مثل رمضان حين تصبح نازحًا ولا تملك مأوى مهيأً.
وقالت إنهم فقدوا كثيرًا من الأغذية التي اعتادوا عليها قبل الحرب، ويعتمدون في رمضان على الماء ونوعين من العصير ووجبة واحدة فقط، وليس لديهم وجبة عشاء، "إفطار بس" تضيف.
تقول هذه المواطنة لـ"الترا سودان" إنها نزحت بسبب الاشتباكات منذ بداية الحرب، واضطرت للعمل بائعة شاي في الطرقات لتوفير احتياجات أسرتها بعد وفاة زوجها بطلق ناري في أم درمان، ووصفت دخلها بأنه غير كافٍ، وأنهم يعيشون في "راكوبة" على الطريق في مدينة عطبرة.
سنار
أما ابتهاج داؤود، التي نزحت من الخرطوم إلى ولاية سنار، فتقول إنها نزحت بعد ستة أيام من اندلاع حرب أبريل، ووصلت إلى سنار بعد رحلة صعبة نفسيًا وأمنيًا وماديًا، إذ كانت دون ترتيبات أو تجهيزات مسبقة، بحسب قولها.
ابتهاج داؤود لـ"الترا سودان": المائدة في سنار تشبه إلى حد كبير أكل "التكايا"، لأن المنزل بقي مكتظًا بالنازحين والأصناف محدودة
وأشارت ابتهاج، في حديثها لـ"الترا سودان"، إلى أن مائدة رمضان بالنسبة لها، قبل اندلاع الحرب في الخرطوم، كانت عامرة بما لذ وطاب برفقة رفيقات السكن، وأحيانًا كانت تذهب إلى "البيت الكبير" في أم درمان، حيث الأسرة الممتدة ولمة الإفطار الجماعي المليئة بالأكل التقليدي والأجواء الرمضانية. وأضافت أنه بعد الحرب أصبحت المائدة في سنار تشبه إلى حدٍ كبير أكل "التكايا"، لأن المنزل "بقي مكتظًا بالنازحين والأصناف محدودة"، بحسب تعبيرها.
وأوضحت أن هذا الوضع فرضه ضيق الأوضاع الاقتصادية القسري، فأصبحت المائدة أكثر تواضعًا، واكتفوا بما هو متاح، وغاب تنوع الأطعمة والعصائر، حتى العزومات للأهل والأقارب لم تعد موجودة، لأن كل أسرة كانت منشغلة بالتغيرات التي فرضتها الحرب.
ولفتت ابتهاج إلى أنها كانت تعتمد بشكل كلي على الأسواق لتوفير الغذاء، وكان الدعم يأتيهم من الخارج عبر أبناء الأسرة المغتربين، باعتبارهم "منقذو الموقف". وقالت إن فقدانها لعملها في الخرطوم أثر بشكل مباشر على دخل الأسرة وإمكانيات الشراء.
وأوضحت أن الحرب غيرت حياتها بالكامل؛ إذ كانت تعتمد على دخلين ثابتين، أما الآن فهي بلا دخل. وأضافت أن هذا الوضع أجبرها على إعادة ترتيب أولوياتها واحتياجاتها الأساسية، وهي على أعتاب استقبال رمضان الثالث منذ اندلاع الحرب بحسابات دقيقة، مع إسقاط عدد من السلع من قائمتها بسبب ضيق ومحدودية الدخل.
القضارف
بينما يقول إسماعيل الهادي، الذي نزح من مدينة الخرطوم إلى ولاية القضارف في أول عيد فطر بعد أحداث 15 أبريل، إن هناك اختلافًا كبيرًا بين رمضان في العاصمة وبين رمضان في ولاية أخرى، خصوصًا من ناحية تواجد الأشخاص في العائلة والجيران، حيث فقد بعضهم أحبائهم، وكان هناك فراغ في اللمة التي تكمل المائدة.
الهادي لـ"الترا سودان": في القضارف وجدنا وفرة في الذرة والدخن والقمح، وكانت "العصيدة والكسرة" كوجبات بلدية متوفرة
وأشار الهادي، في حديثه لـ"الترا سودان"، إلى أن الإفطار الرمضاني عبارة عن ثقافة، وأن لكل مدينة لديها سلوكها وطريقتها الخاصة في تقديم الأغذية. ففي القضارف وجدوا وفرة في الذرة والدخن والقمح، وكانت "العصيدة والكسرة" كوجبات بلدية متوفرة.
وعن تأثير فقدان العمل على دخل الأسرة وإمكانية الشراء، قال الهادي إنه بعد الحرب ونزوحهم إلى القضارف، كانوا أربعة إخوة أشقاء في الأسرة، وجميعهم فقدوا وظائفهم، لأن مهنهم كانت مرتبطة بمؤسسات في الخرطوم. وأضاف أنهم أصبحوا عاطلين عن العمل لأكثر من عام، وبحثوا عن فرص عمل أخرى كمصدر رزق، وكانت المعاناة كبيرة، واضطروا للصرف من المال المدخر لديهم تابع "اعتمادنا على المال الأسود لليوم الأبيض".
كسلا
ويقول عضو الهيئة الإدارية بغرفة طوارئ شباب كسلا، محمد نصر الدين، إن احتياجات النازحين مقارنة بالسنين الماضية قد خفت، نسبة إلى أن معظم مراكز الإيواء تم تفريغها، وأن عدد الأسر انخفض بشكل كبير. وأضاف أن هناك نازحين داخل الأحياء، وأن جزءًا كبيرًا منهم يعتمدون على الدعم الذي يصل عبر المبادرات والمنظمات.
عضو الهيئة الإدارية بغرفة طوارئ شباب كسلا لـ"الترا سودان": عدد النازحين في تناقص مع وجود إقبال على العودة الطوعية، أما الأسر التي فقدت مصدر دخلها فهي في تزايد مع تفاقم الظروف الاقتصادية
وأشار نصر الدين، في حديثه لـ"الترا سودان"، إلى أن عددًا كبيرًا من الأسر المحلية يتواصلون معهم بشأن حاجاتهم، مبينًا أن هناك تعثرًا في تغطية الحاجات الأساسية للعيش، إلى جانب نقص في الأمن الغذائي. وأضاف أن عدد الأسر التي كانوا يستهدفونها في السنوات الماضية كان يتجاوز 1000 أسرة يوميًا في مناطق مختلفة من ولاية كسلا.
وأوضح نصر الدين أن عدد النازحين في تناقص مع وجود إقبال على العودة الطوعية، أما الأسر التي فقدت مصدر دخلها فهي في تزايد مع تفاقم الظروف الاقتصادية. لافتًا إلى أن نوع الوجبات التي يتم توفيرها في رمضان تتمثل في الأطعمة البلدية المحلية، مثل قراصة بالدمعة او بالتقلية عصيدة بالنعيمية و رز باللحمة وبالخضار اوبالفراخ وان العصائر البلدية تتمثل في كركدي و تبلدي و حلو مر.
الكلمات المفتاحية
عودة الجامعات إلى مقارها الأصلية.. هل يطوي التعليم العالي صفحة النزوح؟
هل تنجح الجامعات في العودة إلى مقارها الأصلية وسط التحديات الأمنية والاقتصادية والخدمية الراهنة؟
هدوء على الأرض وتهديد من السماء.. ما الذي يحدث في مدينة الدلنج السودانية؟
برز نمط جديد من العمليات العسكرية، تمثل في تزايد الهجمات بالمسيرات والقصف عن بعد، الأمر الذي جعل المدنيين يواجهون تهديدًا يوميًّا
حادثة بلفاست واللاجئون السودانيون.. كيف تتحول الجرائم الفردية إلى موجات عداء للمهاجرين؟
لم تمضِ ساعات حتى انتشر مقطع مصور للحادثة، فأشعل موجة احتجاجات في عدة مدن بأيرلندا الشمالية تحت شعار "يكفي"
محتجون يغلقون طرقات نيالا احتجاجًا على اختطاف ناطق باسم مكون قبلي
أظهرت مقاطع فيديو متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي إغلاق شوارع رئيسية وسط المدينة
لاحقتهم في "شمارات" بالخرطوم.. الشرطة تعلن عن عملية جديدة
تأتي الحملة في سياق إجراءات أمنية وإدارية تنفذها السلطات بولاية الخرطوم منذ استعادة الجيش السيطرة على أجزاء واسعة من العاصمة
من يشجع السودانيون في كأس العالم؟
وفي بلد أثقلته الحرب وأرهقته الأزمات، يبقى المونديال مساحة نادرة يلتقي فيها السودانيون حول شغف واحد، حتى وإن اختلفت الأعلام التي يرفعونها.
قال: أعطوني يومين فقط.. كيف أوفى فلومو بوعده في القمة؟
بدت العبارة للكثيرين مجرد حماس لاعب يرفض الاستسلام، لكنها بالنسبة إليه كانت وعدًا قطعه على نفسه.