الحرب تتجاوز الحدود.. هل يتحول السودان إلى ساحة صراع دولي؟
28 ديسمبر 2025
تتعقّد الحرب في السودان يومًا بعد يوم، وتتوسّع أطرافها الخارجية؛ ففي الوقت الذي يتهم فيه الحليف الاستراتيجي للدعم السريع تشاد هذه القوات بقصف معسكرٍ تابعٍ له، تبدأ إثيوبيا الدخول كحليف جديد للدعم السريع عبر تسخير أراضيها للهجوم على السودان من خلال المنطقة المحاذية للنيل الأزرق. ليتحوّل السودان إلى ساحة صراع دولي عقب تحركات الجيش الليبي بقيادة خليفة حفتر، وتسخير أراضيه كمنطقة تدفّق للإمداد الحربي لقوات الدعم السريع. وبين إثيوبيا وتشاد وليبيا، يصبح السودان منطقة صراع دولي في ظل غياب أي بوادر لحل سياسي، واستمرار التجاهل الدولي لإحدى أكبر أزمات الصراع في العالم.
حشود خلف الحدود
وكانت مصادر إعلامية قد تحدثت عن حشود لقوات الدعم السريع تخطط للهجوم على منطقتي الكرمك وقيسان في إقليم النيل الأزرق، انطلاقًا من الأراضي الإثيوبية.
وأفادت مصادر عسكرية لـ"الترا سودان" بأن الجيش السوداني "على أهبة الاستعداد" لمواجهة أي هجوم محتمل من قوات الدعم السريع على المنطقتين. وأشارت المصادر إلى أن الاستخبارات رصدت تحركات لقادة الدعم السريع داخل الأراضي الإثيوبية خلال الأيام الماضية، مؤكدة أن إمداد القوات بالعتاد الحربي مستمر منذ أشهر.
ولفتت المصادر إلى أن إثيوبيا تفتح أراضيها لتدريب قوات الدعم السريع، مما يجعلها طرفًا في العدوان على السودان.
الخبير العسكري، اللواء عوض عبد الرحمن، لـ"التراسودان": التطورات في دول جوار السودان - إثيوبيا وتشاد وليبيا - لها تأثيرات مباشرة على السودان
من جهته، وجّه رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان، خلال لقاء مع رموز من المجتمعين التركي والسوداني بمبنى السفارة السودانية في أنقرة، السبت 27 كانون الأول/ديسمبر الحالي، رسالةً إلى الدول التي وصفها بالصديقة، والتي تعتقد أن السودان في حالة ضعف، قائلًا إن "السودان أقوى مما كان عليه في أي وقت مضى"، داعيًا إياها إلى مراجعة مواقفها قبل الوقوع في "أخطاء استراتيجية"، في إشارة إلى إثيوبيا.
وحتى الآن، لم تصدر أي ردود فعل إثيوبية رسمية بشأن التصريحات السودانية التي تتهمها صراحةً باستضافة قوات الدعم السريع والحركة الشعبية وبعض المليشيات داخل أراضيها، وإنشاء معسكرات تدريب لها.
وكان الجيش السوداني قد استطاع، في حزيران/يونيو الماضي، طرد قوات الدعم السريع من مناطق في النيل الأزرق جنوب شرقي السودان، حيث انسحبت الأخيرة تحت وقع الهجمات العسكرية إلى مناطق متاخمة للحدود مع إثيوبيا وجنوب السودان.
ليبيا وتشاد
لم تقتصر التطورات في دول الجوار على إثيوبيا فقط، بل امتدت إلى تشاد بعد استهداف موقع عسكري في منطقة الطينة بإقليم وادي فيرا التشادي. كما تشهد منطقة المثلث الحدودي بين مصر والسودان تحركات لقوات خليفة حفتر، مما قد يؤدي إلى جرّ منطقة القرن الأفريقي بأكملها إلى حرب تهدد استقرار وأمن المنطقة.
واتهم الجيشان السوداني والتشادي، السبت، قوات الدعم السريع بتنفيذ الهجوم على موقع عسكري داخل تشاد على الحدود مع السودان.
واتهمت قيادة الجيش التشادي، وفقًا لوكالة الأنباء الفرنسية، "الدعم السريع" بشنّ هجوم على بلدة حدودية أسفر عن مقتل جنديين وإصابة ثالث.
بدوره، قال الجيش السوداني في بيان إن "القوات المسلحة السودانية تابعت ما وقع من استهداف على حامية الطينة بجمهورية تشاد الشقيقة بواسطة طائرة مسيّرة تتبع لمليشيا الدعم السريع، مما أسفر عن مقتل جنديين".
وتقدّمت القوات المسلحة بخالص التعازي وصادق المواساة إلى قيادة وشعب تشاد، وإلى أسر الضحايا. وأعلنت وقوفها إلى جانب تشاد ضد كل ما يهدد أمن واستقرار المنطقة.
وأشارت إلى أن منطقة الطينة السودانية تخضع لسيطرتها الكاملة، حيث تعمل فيها كافة مؤسسات الدولة المدنية والأمنية بصورة منتظمة، دون أن تُسجَّل منها أي أنشطة عدائية تجاه أراضي الدول المجاورة.
تأثير مباشر
ويقول الخبير العسكري، اللواء عوض عبد الرحمن، لـ"التراسودان" إن التطورات في دول جوار السودان - إثيوبيا وتشاد وليبيا - لها تأثيرات مباشرة على السودان. وأشار إلى رصد حشود إثيوبية تخطط للهجوم على إقليم النيل الأزرق، وقصف طائرة مسيّرة لدعم قوات الدعم السريع في منطقة الطينة التشادية، وتحركات لمليشيا خليفة حفتر في المثلث الحدودي، مما يؤكد خطورة هذه التطورات.
وأوضح أن تلك التحركات "سترهق الجيش السوداني"، وقد تدعوه للاستعانة بالحلفاء إذا تأكد تدخل تلك الدول في عدوان ضده. وأضاف أن هناك تحالفات إقليمية، مثل التقارب بين إريتريا ومصر والسعودية والسودان من جهة، وإثيوبيا والإمارات من جهة أخرى، مما قد يؤدي إلى تصعيد الوضع إذا لم يتم التعاون الإيجابي.
ولفت إلى أن ما يحدث في دول جوار السودان - إثيوبيا وتشاد وليبيا - تدعمه "دولة الإمارات التي لا تريد الاستقرار للسودان".
وعن إمكانية إدخال إثيوبيا نفسها في عدوان ضد السودان، أوضح أن إثيوبيا غير قادرة على الدخول في حرب حاليًا بسبب الأزمات الداخلية في مناطق الأورومو والتيغراي والأمهرا.
وقال إن أي محاولة إثيوبية للتأثير على الوضع في السودان ستؤدي إلى تداعيات داخلية في إثيوبيا، وتؤثر على استقرارها السياسي. وأكد أن الأوضاع لا تزال تحت السيطرة، وهناك فرصة لتجاوز التوترات.
صمت دولي
من جهته، يقول أستاذ العلاقات الدولية في الجامعات السودانية، الدكتور عبد الرحمن أبو خريس، إن التعاون بين المليشيات الإثيوبية والدعم السريع، في ظل الصمت الدولي، يتيح للدعم السريع التوسع على الحدود مع إثيوبيا وجنوب السودان وتشاد، مما يؤثر على استقرار الإقليم الأفريقي.
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعات السودانية، الدكتور عبد الرحمن أبو خريس لـ"الترا سودان": أي هجوم للدعم السريع على النيل الأزرق من الأراضي الإثيوبية قد يؤدي إلى تدخل أصدقاء السودان، خاصة مصر
وأشار إلى أن أي هجوم للدعم السريع على النيل الأزرق من الأراضي الإثيوبية قد يؤدي إلى تدخل أصدقاء السودان، خاصة مصر، التي أعادت تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك مع السودان مؤخرًا.
وأوضح أن استمرار إثيوبيا في سعيها للحصول على موطئ قدم في البحر الأحمر قد يقود إلى حرب تهدد استقرار وأمن القرن الأفريقي بأكمله. وتوقع أن تشهد المنطقة توترات متزايدة بسبب الطموحات الإقليمية والدولية، خاصة بعد الاعتراف الإسرائيلي بـ"صوماليلاند" دولةً مستقلة، مما قد يؤدي إلى تحالفات إقليمية معقدة.
إعادة تشكيل المنطقة
بدوره، يرى المختص في الشؤون الأفريقية، الدكتور محمد تورشين، أن التقارير التي تتحدث عن توفير إثيوبيا غطاءً خارجيًا للدعم السريع في أصوصا لم يتم التأكد من صحتها. وقال تورشين لـ"الترا سودان" إن من مصلحة إثيوبيا إعادة تشكيل منطقة القرن الأفريقي، وكلما كانت لديها علاقة جيدة مع دول الجوار كان ذلك في صالحها. وأضاف أن إثيوبيا تدرك أن علاقة الحكومة السودانية وثيقة مع مصر، وبالتالي إذا استلم الدعم السريع السلطة ستكون علاقته جيدة مع إثيوبيا، على عكس مصر.
وتابع: "لا أعتقد أن إثيوبيا ستغامر بدعم الدعم السريع عبر أراضيها، لأن ذلك سيفتح المجال للحكومة السودانية للتدخل مباشرة لتغيير الأوضاع في إثيوبيا، خاصة أن الوضع هناك أكثر تعقيدًا، والحرب ستأخذ مساحات واسعة، لذلك لن تفرّط إثيوبيا في هذا الأمر".
وعن الأوضاع في تشاد، قال تورشين إنها بدأت تعيد النظر في استراتيجيتها الجيوسياسية بشأن فتح أراضيها ومطاراتها لدعم الدعم السريع، وجاء ذلك نتيجة لضغوط ومصالح اقتصادية كبيرة من قبل دولة الإمارات.
المختص في الشؤون الأفريقية، الدكتور محمد تورشين لـ"الترا سودان": النخب السياسية والعسكرية في تشاد تنظر إلى ما يحدث في السودان بوصفه تهديدًا لنفوذها الإقليمي
وأوضح أن بعض الأطراف القبلية تدرك أن الأمر ستكون له تداعيات هي في غنى عنها. وأضاف أن النخب السياسية والعسكرية في تشاد تنظر إلى ما يحدث في السودان بوصفه تهديدًا لنفوذها الإقليمي، وبذلك تمارس ضغطًا على الحكومة لإعادة النظر في هذه السياسات.
أما ليبيا، فقال إن "المليشيا تحاول دعم المليشيا، لأن حكومة حفتر لم يتم الاعتراف بها، وتسعى دائمًا لتغيير المشهد في السودان بهدف الحصول على اعتراف مشترك. وأكد أن الإمارات حاضرة بقوة، وهي الداعم الأساسي للفصيلين: الدعم السريع وقوات خليفة حفتر"، بحسب تعبيره.
ارتدادات خطيرة
وفي المقابل، يرى الصحفي والمختص في الشؤون السودانية الإثيوبية، محمد حامد جمعة نوار، أن التطورات المتوقعة على الحدود الإثيوبية ستكون لها تأثيرات كبيرة على السودان في حال فتح جبهة على ولايات القضارف والنيل الأزرق وسنار.
وقال نوار في تصريح لـ"الترا سودان" إن التحرك المباشر من إثيوبيا مستبعد، نظرًا لعدم وجود أسباب موضوعية أو دوافع له، ولما قد يترتب عليه من ارتدادات خطيرة على إثيوبيا نفسها.
الصحفي والمختص في الشؤون السودانية الإثيوبية، محمد حامد جمعة نوار: التحرك المباشر من إثيوبيا مستبعد، نظرًا لعدم وجود أسباب موضوعية أو دوافع له، ولما قد يترتب عليه من ارتدادات خطيرة
وأشار إلى أن هذه الارتدادات قد تؤثر على أقاليم إثيوبية ذات أهمية استراتيجية، مثل بني شنقول-قُمز التي تضم سد النهضة، والذي قد يكون عرضة للنيران، وإقليم تيغراي المنقسم على الحكومة في أديس أبابا.
وأوضح أن الوضع المتأزم للحكومة الإثيوبية مع إريتريا، والتوترات الحالية مع الصومال الفيدرالي عقب الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، قد يزيدان من توتر العلاقات مع إثيوبيا.
ولفت نوار إلى أن الهجوم المحتمل قد يتم بواسطة جماعة جوزيف توكا والحركة الشعبية، ربما بتنسيق مع الدعم السريع. ومع ذلك، يعتقد أن الجيش السوداني جاهز لهذه الجبهة، إذ لم يستهلك قواته بشكل كبير في هذا المحور.
مخاطر حاضرة
وظلت مخاطر تجاوز الحرب للحدود السودانية حاضرة منذ اللحظة الأولى لاندلاع الاشتباكات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، لا سيما في ظل العلاقات الواسعة التي تمكنت الأخيرة من بنائها خلال الفترة الانتقالية. فقد نجحت قوات الدعم السريع في تأسيس شبكات اقتصادية وسياسية معقدة خارج إطار مؤسسات الدولة السودانية، ما أتاح لها هامش حركة إقليميًا ودوليًا، وجعلها فاعلًا عابرًا للحدود أكثر من كونها قوة محلية محصورة داخل الجغرافيا السودانية، وعلى رأس هذه الشبكات الروابط القوية مع دولة الإمارات العربية المتحدة.
لا تقف المخاطر عند حدود الدعم العسكري فحسب، بل تمتد لتشمل احتمالات تدويل النزاع وتحويل السودان إلى ساحة صراع إقليمي تتقاطع فيها مصالح قوى متعددة
وفي هذا السياق، تشير تقارير متطابقة إلى استمرار الدعم الذي تقدمه الإمارات لقوات الدعم السريع خلال مجريات الحرب، بما يشمل تزويدها بالسلاح والمعدات والذخائر، إلى جانب الدعم اللوجستي غير المباشر عبر دول الجوار، الأمر الذي ساهم في إطالة أمد الصراع وتعقيد مساراته. كما أتاح هذا الدعم للدعم السريع الحفاظ على قدراته القتالية، رغم الضغوط العسكرية التي واجهها في عدة محاور.
ولا تقف المخاطر عند حدود الدعم العسكري فحسب، بل تمتد لتشمل احتمالات تدويل النزاع وتحويل السودان إلى ساحة صراع إقليمي تتقاطع فيها مصالح قوى متعددة، خاصة في ظل هشاشة الأوضاع الأمنية بدول الجوار، وتداخل خطوط التهريب والتحالفات العابرة للحدود. ويعزز هذا الواقع المخاوف من انزلاق المنطقة بأكملها إلى حالة من عدم الاستقرار، في حال استمرت الحرب دون أفق سياسي واضح، واستمر تدفق الدعم الخارجي خارج أي إطار قانوني أو رقابي دولي.
الكلمات المفتاحية
السودان خارج القاعة.. هل ينجح مؤتمر برلين في كسر جمود الأزمة الإنسانية؟
بمشاركة وزارة الخارجية الألمانية، وممثلي الولايات المتحدة الأمريكية، والأمم المتحدة ووكالات إقليمية وعالمية، ونحو 40 شخصية من القوى المدنية والسياسية السودانية، تبدأ أعمال مؤتمر برلين يوم الأربعاء المقبل، الموافق 15 أبريل 2026. ويتزامن هذا المحفل مع الذكرى الثالثة لاندلاع الحرب في السودان.
ذكرى السادس من أبريل.. قصة ثورة لم تمضِ كما بدأت
صادف السبت، السادس من أبريل 2019، نهاية عطلة الأسبوع بالعاصمة الخرطوم. والملاحظ أن الشوارع خلت من حركة المارة في الفترة الصباحية، وكأن هناك حالة من التحفز لحدثٍ جسيم سيقع لاحقًا.
تغييرات هيئة الأركان.. قائد الجيش يعيد ترتيب الأوراق ويمسك "بكرة النرد"
لم تكن التغييرات التي طرأت على هيئة أركان الجيش السوداني، اليوم الخميس 2 أبريل الجاري، مفاجئة للمراقبين؛ فوفقًا للبيان الصادر عن القيادة العامة،
من المسيرات إلى المواجهات البرية.. النيل الأزرق على صفيح ساخن ونزوح بالآلاف
منذ مطلع العام الجاري، لم تهدأ جبهة النيل الأزرق تمامًا، وظلت تتحرك على إيقاع تصعيد متقطع بدأ منذ مطلع يناير الماضي، بهجمات الدعم السريع والجيش الشعبي ضمن تحالف السودان التأسيسي "تأسيس" على منطقتي ملكن والسلك بمحافظة باو، قبل أن يستعيد الجيش السوداني السيطرة عليهما في 26 يناير 2026، مع استمرار تناوب السيطرة.
مسؤول أممي: السودان ما يزال اختبارًا يفشل فيه العالم
قال منسق الشؤون الإنسانية والإغاثة الطارئة في مكتب الأمين العام للأمم المتحدة، توم فليتشر، إن مرور ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في السودان يمثل ذكرى أليمة، تعكس عامًا آخر من فشل العالم في مواجهة التحديات التي تعصف بالبلاد.
نفى شائعة ترشحه لاتحاد الكرة.. برقو لـ"الترا سودان": لا انتخابات ولا ترشح
نفى القطب الرياضي المعروف وزعيم تنظيم النهضة، السلطان حسن برقو، بشكل قاطع ما تداولته بعض الصحف بشأن عزمه الترشح ضمن مجموعة رياضية يقودها صلاح أحمد إدريس والكابتن هيثم مصطفى
تأجيل مفاجئ لامتحانات الشهادة السودانية بالإمارات
أعلنت القنصلية العامة للسودان بدبي والإمارات الشمالية تأجيل امتحانات الشهادة السودانية للمرحلة الثانوية (دفعة 2025) التي كان من المقرر بدؤها اليوم الإثنين، 13 أبريل 2026، وذلك بسبب استمرار تعليق الدراسة حضوريًا في الإمارات.
هيئة الأرصاد: ارتفاع درجات الحرارة في معظم أنحاء السودان ونشاط للرياح
أفاد تقرير الهيئة العامة للأرصاد الجوية بحدوث ارتفاع مستمر في درجات الحرارة في معظم أنحاء البلاد خلال الأيام الثلاثة المقبلة، فضلًا عن نشاط للرياح في بعض المناطق.