ultracheck
رأي

الترابي ومحمود عبدالعزيز في رمضان.. حين غلب الغناء الخطابة

20 فبراير 2026
الترابي ومحمود عبد العزيز
الترابي ومحمود عبد العزيز
منصور الصويم
منصور الصويم كاتب من السودان

حدث هذا في أواخر التسعينيات، ربما في العام 1997 قبل المفاصلة الشهيرة ما بين الترابي وتلاميذه ممن انحازوا للسلطة. وقتها كان اهتمامي بكرة القدم قد بدأ في الاضمحلال، لذا لم أكن مهتمًا بمرافقة الأصدقاء لمتابعة سداسيات كرة القدم المقامة في ملاعب كمبوني بالخرطوم رغم مشاركة كبار النجوم وقتها، لكن حين أخبرني أحدهم أن اليوم الأخير للبطولة سيشهد أمسية سياسية وفنية في الوقت نفسه قررت دون تردد مرافقتهم.

الترابي الساحر

من خلال تجربتي الشخصية كنت أعرف أن الاستماع إلى الدكتور حسن الترابي أمرًا لا يقاوم، فقبل عامين أو ثلاثة من منافسة السداسيات، ذهبت بدافع الفراغ والملل إلى الاستماع إلى مخاطبة للترابي، كان ذلك في مدينة حلفا الجديدة التي أتيتها زائرًا لفترة قصيرة، وكنت شابًا منفعلًا بما يحدث في البلاد، وأرى بمنظار التمرد والغضب أن الترابي وزمرته الحاكمة هم أسباب كل البلاء. تلك كانت المرة الأولى التي استمعتُ إليه فيها وجهًا لوجه، ودون مراوغة خلبني الرجل وسحرني بخطبته البليغة، وبأسلوبه الساحر في السخرية ولغة الجسد والضحكات والابتسامات المباغتة. خرجت من ذلك اللقاء "مبسوطًا"، كسرت الملل واستمتعت بأسلوبية الرجل الخطابية، واستمعت عن قرب لهتافات من ظننتهم "دبابين"، وظل موقفي من النظام كما هو.

جرفت الأغنيات في سريانها الكاسح كل وعود المنبر، وتركت الشباب يمضون وراء إيقاعهم الخاص

 

محمود المتمرد

بعكس الترابي، لم يحدث قط أن حضرت حفل مباشر للفنان الأسطوري محمود عبدالعزيز، ما قبل حفل السداسيات المشهود. أعرف محمود كفنان منذ بداياته المبكرة أولى التسعينيات، وكنت مثل أغلب أبناء جيلي أحفظ الكثير من أغانيه، وأرى في أدائه الغنائي أسلوبًا فريدًا يضفي حتى على أغنيات الغير لمسة إبداعية جديدة تجعلها وكأنها تولد من جديد، وكنت بالطبع أرى فيها بصورة من الصور نموذجًا مختلفًا عن حالة التمرد التي كنا نعايشها جميعا وقتها كشباب، حالة من الرفض والميل إلى الاختلاف الغاضب، فأن تغني "حنيني ليك" لمحمد ميرغني وأنت تتقمص صوت وأداء "الحوت" كأنما حطمت كل الجسور وراءك وشببت على قدميك – مثلما يفعل – لتعانق جسرًا بعيدًا في السماء.

منافسة السداسيات

في الحقيقة استمتعت في ذلك اليوم البعيد بكرة القدم، ووجدتني لا أزال شغوفًا بـ"الفن الكروي" الرفيع، لاسيما أن من اللاعبين على ما أذكر "تنقا" و"العجب"، ومجموعة أخرى متميزة و"حريفة" من لاعبي قمة السودان الهلال والمريخ، وفوق ذلك كان تفاعل الجمهور الشاب فوق توقعاتي، حالة أشبه بالمهرجان: أغنيات ورايات ونكات تطلق بأعلى الأصوات إلى أن حانت اللحظة المرجوة حين أعلن مقدم البرنامج المصاحب أن الشيخ الدكتور حسن الترابي سيخاطب الحضور الآن. شببت بقدمي إلى أعلى – كأني محمود – وضبطت حواسي لجس انفعالات الجمهور. تعالى التصفيق، وسمعت من هنا وهناك بعض التكبيرات، ثم حل الصمت وبدأ الجميع الانتباه مع اعتلاء الترابي للمنصة. وكما توقعت خلب الرجل عقول الحضور، فرض أسلوبيته الساحرة، خاطب الروح الحائمة في المكان، أطلق وعودا كثيرة تتعلق بالشباب، وأضحك الحضور كثيرًا بسخريته الملازمة للكلام؛ لكنه – للأسف – أطال الكلام، والشباب، هذا الجمهور المتوتر – الصاعد على أقدامه – كان في انتظار الفنان: "الحوت الذي لا يموت"! من إحدى النواحي انطلق تصفيق حار يقاطع خطاب الترابي، ثم تبعت بقية نواحي المكان صدى التصفيق، وضج المكان بأكمله بالتصفيق وكأنه ينهي الخطاب، لكن الترابي العنيد لا يزال مواصلًا في الكلام عن الشباب وروح البلاد.. فانطلق الصفير من الناحية ذاتها، صفير حاد كجرس الإنزار، بدأ نحيلًا متوحدًا قبل أن يندعم مع عشرات أو مئات الصافرات التي عمت المكان.

الحوت لا يموت

انسحب الترابي من المنصة محاطًا بتصفيق حار فرح وصافرات تنثر السعادة في المكان. تقدم الفنان محمود عبدالعزيز من المنصة، وهنا أقول ربما لن أشهد ما حييت مشهدًا محتشدًا بالطقوسية المجنونة مثلما شهدت. قفز الشباب من المقاعد، تعالى الصراخ والهتاف: "الحوت لا يموت"، بكى البعض وارتجّ بالنشيج، فقط لأن محمود صافحه يدًا بيد، وجوه تحولت كأنها تماثيل برونزية جامدة، أهي صدمة اللقاء؟ الحب المجنون للفنان النحيل المتلاشي في موات؟

في تلك الأمسية البعيدة من سداسيات رمضان تغنى محمود بأجمل الأغنيات، أغنيات فوق طاقة الاحتمال العاطفي الرهيف لأولئك الشباب، أغنيات مجنونة جرفت في سريانها الكاسح كل وعود الترابي وهتافات مرافقيه القليلين، أغنيات أشرت مثل الضوء الذي لا ينكسر إلى غدٍ بعيد آت وإن بعد ألف عام.. فالحوت لا يموت.

لم يكن الشباب يصفّرون رفضًا لرجل بعينه، بقدر ما كانوا يعلنون انحيازًا لما يشبههم

 

اختبار صامت

لم يكن ما جرى في تلك الليلة مجرد فاصلٍ بين خطبة وحفل غنائي في برنامج سداسيات رمضانية. كان شيئًا أعمق من ذلك بكثير. كان اختبارًا صامتًا لوجهة الروح عند جيلٍ كامل. المنبر قال كلمته، وأطلق وعوده، ووزع ابتساماته الساخرة، لكن المايكروفون حين التقطه محمود عبدالعزيز لم يكن ينقل صوتًا فحسب؛ كان يحرّك وجدانًا ظل يبحث عن نفسه في زحام الشعارات.

لم يكن الشباب يصفّرون رفضًا لرجل بعينه، بقدر ما كانوا يعلنون انحيازًا لما يشبههم. كانوا يريدون صوتًا لا يعلو عليهم، بل يخرج منهم. وحين ارتفع الهتاف: "الحوت لا يموت"، لم يكن الشعار موجّهًا ضد أحد، بل كان إعلانًا عن معنى آخر للبقاء؛ بقاء الفن في مواجهة الخطابة، وبقاء الحلم في وجه السلطة، وبقاء العاطفة الحرة في زمنٍ مثقلٍ بالأوامر.

في ذاكرتي سيظل ذلك اليوم من رمضان شاهدًا على ليلةٍ اختار فيها الشباب أن يكون لهم إيقاعهم الخاص.. وأن يتركوا للمنابر صداها، ويمضوا هم وراء الأغنية.. والتمرد. 

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"                 

الكلمات المفتاحية

عبد الله حمدوك

مؤتمر برلين والمجتمع المدني السوداني.. من يمثل من؟

ما يختلف هذه المرة هو أن الجدل حول قوائم المدعوين بلغ ذروته قبل انعقاد المؤتمر، وكشف بشكل صريح عن سؤال لم تحسمه الدورتان السابقتان: من يمثل المجتمع المدني السوداني في هذه المحافل؟ ولأي غاية؟


امتحانات الشهادة السودانية

امتحانات الشهادة في السودان.. أزمة معقدة وحلول صعبة

لم تنفصل قضية التعليم في السودان عن الحرب الدائرة منذ ثلاث سنوات بين الجيش وقوات الدعم السريع وحلفائهما المسلحين


البرلمان الهولندي

يمين أوروبا وهواجس "الأخونة": قراءة في أبعاد قرار البرلمان الهولندي

شهدت الأروقة السياسية في هولندا خلال الأسبوع الماضي إقرار البرلمان الهولندي مقترحًا يقضي بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين "منظمة إرهابية". هذا القرار، الذي استقبله "التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة" (صمود) بحالة من الاحتفاء والارتياح، يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية تتجاوز في عمقها مجرد التضييق على تنظيم سياسي، لتلمس مآلات الوجود المهاجر في "القارة العجوز".


محمد حمدان دقلو

"كنغولية حميدتي".. بين جدل الهوية والابتزاز السياسي

في العام 2019 الذي سقط فيه الرئيس المخلوع عمر البشير بثورة شعبية أطاحت بنظام حكمه، الذي بلغ أكثر من ثلاثة عقود،

عمود دخان في سماء الخرطوم.jpg
سياسة

السودان خارج القاعة.. هل ينجح مؤتمر برلين في كسر جمود الأزمة الإنسانية؟

بمشاركة وزارة الخارجية الألمانية، وممثلي الولايات المتحدة الأمريكية، والأمم المتحدة ووكالات إقليمية وعالمية، ونحو 40 شخصية من القوى المدنية والسياسية السودانية، تبدأ أعمال مؤتمر برلين يوم الأربعاء المقبل، الموافق 15 أبريل 2026. ويتزامن هذا المحفل مع الذكرى الثالثة لاندلاع الحرب في السودان.

الذهب - قطاع التعدين.jpg
أخبار

شعبة مصدري الذهب تطالب الحكومة بالتدخل لملاحقة الفساد في القطاع

قالت شعبة مصدري الذهب إن المعدن الأصفر قد يساعد السودان على الخروج من الأزمة الاقتصادية، إذا تمكنت الحكومة من سد منافذ التهريب ومكافحة الفساد والتجاوزات، متوقعة ارتفاع عائدات الذهب إلى 6 مليارات دولار سنويًا من المعدن النفيس، حال تطبيق إصلاحات جذرية في هذا القطاع


جريمة.jpeg
أخبار

جريمة مروعة تهز كاب الجداد.. مقتل تاجر داخل منزله

شهدت منطقة كاب الجداد بولاية الجزيرة جريمة قتل بشعة هزت سكان المنطقة، إذ أقدمت مجموعة مسلحة على قتل تاجر ملابس داخل منزله في الساعات الأولى من صباح اليوم الأحد، في حادثة أثارت حالة من الخوف وسط الأهالي.

حريق الطويشة
أخبار

حريق يدمر 17 منزلًا في مدينة الطويشة بولاية شمال دارفور

أعلنت غرفة طوارئ محلية "الطويشة"، الواقعة جنوب شرق مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور، عن اندلاع حريق هائل مساء السبت، أسفر عن تدمير 17 منزلًا بالكامل، دون تسجيل خسائر في الأرواح.

الأكثر قراءة

1
مجتمع

بعد أعوام من الانتظار.. طلاب السودان يجلسون لامتحانات الشهادة الثانوية


2
رأي

مؤتمر برلين والمجتمع المدني السوداني.. من يمثل من؟


3
أخبار

شبكة أطباء السودان: مقتل 4 مدنيين وإصابة آخرين في قصف على سوق مدينة الدلنج


4
أخبار

"الترا سودان" ينفرد بأول تصريح عقب إعفائه.. خالد بخيت: أدب الهلال علّمنا ألا نسأل لماذا


5
أخبار

وفاة الشيخ الطيب الجد عن 96 عامًا: السودان يفقد أحد أبرز رموز التصوف والدعوة