ultracheck
ثقافة وفنون

التاريخ بوصفه نبوءة: قراءة في رواية "آخر السلاطين" ومنعطفات الاجتماع السوداني

3 يونيو 2026
غلاف رواية آخر السلاطين
(آخر السلاطين)
الأصمعي باشري
الأصمعي باشري صحفي وشاعر سوداني

تندرج رواية "آخر السلاطين" للروائي السوداني منصور الصويم، الصادرة عن دار أوراق للنشر 2014 بالقاهرة، ثم صدرت الطبعة الثانية منها عن دار البشير للنشر 2024 القاهرة. وهي مشروع روائي حائز على منحة آفاق للعام 2012.

تندرج ضمن الأعمال السردية التي تتجاوز حدود الرواية التاريخية التقليدية إلى فضاء أرحب، حيث يتحول التاريخ إلى أداة نقدية لفهم الحاضر واستشراف المستقبل. فعلى الرغم من أن الرواية تستعيد السنوات الأخيرة من حكم السلطان علي دينار، آخر سلاطين دارفور، فإنها لا تنشغل بإعادة تمثيل الماضي بقدر ما تسعى إلى تفكيك البنى العميقة التي صنعت ذلك الماضي وما تزال فاعلة في تشكيل الواقع السوداني المعاصر.

القيمة الفكرية للرواية تكمن في قدرتها على إظهار الاستمرارية التاريخية للأزمة السودانية. فالأحداث التي تدور في دارفور مطلع القرن العشرين تكشف عن جذور إشكالات ما تزال حاضرة في السودان الحديث

إن القيمة الفكرية للرواية تكمن في قدرتها على إظهار الاستمرارية التاريخية للأزمة السودانية. فالأحداث التي تدور في دارفور مطلع القرن العشرين تكشف عن جذور إشكالات ما تزال حاضرة في السودان الحديث: أزمة بناء الدولة الوطنية، وتوتر العلاقة بين المركز والأطراف، وصراع الهويات، وتعثر مشروع المواطنة الجامعة. ومن هذه الزاوية، تبدو الرواية وكأنها قراءة استباقية للمشهد السوداني الراهن أكثر منها استعادة لمرحلة تاريخية منقضية.

الروائي السوداني منصور الصويم

لقد تشكل السودان الحديث، منذ نشأته الاستعمارية، وفق نموذج سياسي ركز السلطة والثروة والقرار في المركز، بينما ظلت الأقاليم الطرفية تعاني من التهميش السياسي والاقتصادي والثقافي. وتكشف رواية "آخر السلاطين" أن هذه المعضلة ليست وليدة الدولة الحديثة وحدها، بل تمتد جذورها إلى أنماط تاريخية أقدم من إدارة السلطة والموارد والعلاقات الاجتماعية. فالصراع الذي تصوره الرواية بين السلطنة والقوى المحلية المختلفة يعكس بصورة مبكرة الإشكال نفسه الذي عرفه السودان لاحقًا في علاقته المضطربة مع أطرافه الجغرافية والثقافية.

وتكتسب الرواية أهمية إضافية في ضوء ما عرفته دارفور والسودان خلال العقود الأخيرة من نزاعات دامية. فالقارئ يلاحظ أن أسئلة الشرعية السياسية والولاءات المحلية والتنافس على الموارد التي تحضر في النص ما تزال تشكل جوهر الأزمة السودانية المعاصرة. وكأن الرواية تقول إن التاريخ السوداني لم يُحلّ، بل جرى ترحيله من مرحلة إلى أخرى دون معالجة جذرية لأسبابه البنيوية.

أكثر ما يمنح "آخر السلاطين" راهنيتها هو أنها لا تقدم التاريخ بوصفه زمنًا مغلقًا، وإنما بوصفه بنية مستمرة التأثير

ومن منظور علم الاجتماع السياسي، يمكن النظر إلى الرواية بوصفها سردية عن أزمة العقد الاجتماعي في السودان. فالدولة التي تظهر في النص ليست إطارًا جامعًا للمواطنين بقدر ما هي ساحة للتنافس بين مراكز قوى متعددة. وتبرز الشخصيات الروائية وهي تتحرك داخل فضاء تحكمه الانتماءات القبلية والجهوية والدينية أكثر مما تحكمه فكرة المواطنة الحديثة. وهذه الإشكالية نفسها ظلت تعيق بناء الدولة السودانية منذ الاستقلال، حيث تعثرت مشاريع الهوية الوطنية الجامعة أمام قوة الولاءات الأولية وتضارب المصالح السياسية.

وتقودنا الرواية كذلك إلى مفهوم "الذاكرة التاريخية" بوصفه عنصرًا مركزيًا في فهم النزاعات السودانية. فالمجتمعات لا تعيش حاضرها بمعزل عن ماضيها، بل تحمل معها رواسب الصراعات القديمة وصور الظلم والإقصاء والتهميش. وعندما تفشل الدولة في إنتاج سردية وطنية مشتركة تستوعب هذه الذاكرة المتعددة، تتحول الذكريات الجمعية إلى وقود دائم للصراع. ومن هنا يمكن فهم كثير من النزاعات السودانية الراهنة باعتبارها امتدادًا لصراعات تاريخية لم تجد طريقها إلى التسوية والاعتراف المتبادل.

غلاف رواية آخر السلاطين

ولعل أكثر ما يمنح "آخر السلاطين" راهنيتها هو أنها لا تقدم التاريخ بوصفه زمنًا مغلقًا، وإنما بوصفه بنية مستمرة التأثير. فالقارئ لا يخرج من الرواية وهو يفكر في السلطان علي دينار وحده، بل في السودان كله؛ في الدولة التي ما تزال تبحث عن تعريف جامع لنفسها، وفي المجتمع الذي لم ينجز بعد مصالحة شاملة مع تنوعه الثقافي والإثني والجهوي.

ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن الرواية تفتح نافذة للتفكير في مستقبل الاجتماع السوداني. فهذا المستقبل لن يتحدد فقط بنتائج الحروب أو الاتفاقات السياسية، وإنما بمدى نجاح السودانيين في إعادة تأسيس علاقتهم بالدولة وببعضهم البعض على أسس جديدة. فالتجارب التاريخية التي تستحضرها الرواية تشير بوضوح إلى أن الاستقرار الدائم لا يتحقق بالقوة العسكرية أو الهيمنة السياسية، بل ببناء عقد اجتماعي قائم على العدالة والاعتراف المتبادل وتقاسم السلطة والثروة بصورة منصفة.

لقد استطاع منصور الصويم أن يكتب رواية عن نهاية سلطنة، لكنه في الوقت نفسه كتب رواية عن مصير وطن

إن السودان يقف اليوم أمام لحظة تاريخية شبيهة، في بعض أبعادها، باللحظات المفصلية التي تصفها الرواية. فإما أن ينجح في تحويل تنوعه إلى مصدر قوة وإثراء حضاري، وإما أن يظل أسير دوائر متكررة من الانقسام والصراع. وفي هذا المعنى، تصبح "آخر السلاطين" أكثر من عمل أدبي؛ إنها نص فكري يضع إصبعه على الجرح التاريخي السوداني، ويقترح، من خلال استعادة الماضي، أسئلة كبرى حول المستقبل.

لقد استطاع منصور الصويم أن يكتب رواية عن نهاية سلطنة، لكنه في الوقت نفسه كتب رواية عن مصير وطن. ولهذا تظل "آخر السلاطين" من الأعمال السردية القليلة التي تجعل القارئ يشعر بأن التاريخ ليس شيئًا مضى، بل شيئًا ما يزال يحدث أمامه كل يوم، بأسماء جديدة وشخصيات جديدة، لكن بالأسئلة القديمة نفسها: سؤال السلطة، وسؤال الهوية، وسؤال الدولة، وسؤال العيش المشترك.

الكلمات المفتاحية

حمائم

"حمائم" للهادي راضي.. مجموعة قصصية سودانية تراهن على السرد متعدد الوسائط

يُعد الهادي علي راضي من الأصوات السردية السودانية التي تميل إلى التجريب في الكتابة القصصية


جائزة كتارا

4 روائيين سودانيين في القائمة الطويلة لكتارا.. هل تستعيد الرواية السودانية حضورها عربيًا؟

دخل أربعة روائيين سودانيين القائمة الطويلة للدورة الثانية عشرة من جائزة كتارا للرواية العربية، في حضور


غلاف الرواية

"الغراب الذي أحبني" تحصد جائزة أفضل رواية مترجمة إلى الفرنسية لعام 2026

تُمنح جائزة "لور باتايون" مناصفةً بين الكاتب والمترجم، وتُعد من أبرز الجوائز الفرنسية والأوروبية المتخصصة في الأدب المترجم


عائلة شجرة الليمون لحامد الناظر

"عائلة شجرة الليمون".. رواية جديدة لحامد الناظر في أمكنة حرب السودان

الروائي حامد الناظر لـ"الترا سودان": يمكن النظر إلى الرواية باعتبارها محاولة لحفظ شيء من ذاكرة مكان مهدد بالنسيان

المولد النبوي.jpg
أخبار

استعدادات مبكرة للمولد النبوي.. انطلاق أعمال تأهيل حوش الخليفة بأم درمان

بدأت محلية أم درمان، اليوم السبت، أعمال النظافة والردميات بحوش الخليفة، ضمن الاستعدادات المبكرة للاحتفال بالمولد النبوي الشريف

المعلمون السودانيون
أخبار

عقب هذه التطورات.. رفع إضراب المعلمين لمدة أسبوع في ولاية سودانية

يشكو المعلمون من تدهور كبير في قيمة الرواتب الشهرية مقارنة بتكلفة المعيشة في السودان


ولاية الخرطوم
أخبار

حكومة الخرطوم تقر بإنشاء غرف فندقية لاستضافة الوفود الزائرة

أكد بيان صادر عن حكومة ولاية الخرطوم أن التقارير التي وصفتها بـ"تبديد المال العام" تتجاهل تعاملها مع الخدمات الأساسية من خلال أموال بند الطوارئ التي تخصصها وزارة المالية الاتحادية.

المواهب الكروية
أخبار

السودان يطلق مشروع اكتشاف المواهب الكروية حول العالم

بدأ السودان أولى خطوات مشروع يُنتظر أن يشكل تحولًا في مستقبل كرة القدم الوطنية، بإطلاق المرحلة الأولى

الأكثر قراءة

1
أخبار

شهود يروون لـ "الترا سودان" تفاصيل هجوم تمساح على شاب بولاية نهر النيل


2
أخبار

أطباء بلا حدود: لم نلاحظ نزوحًا واسعًا للأشخاص من مدينة الأبيض


3
أخبار

فدية مقابل الإبل.. اتهامات للدعم السريع بابتزاز رعاة في غرب كردفان


4
أخبار

14 ألف بلاغ في شهر.. كيف تبدو خريطة الجريمة في السودان؟


5
أخبار

الحكومة السودانية تعلق على عقوبات الاتحاد الأوروبي بشأن صادرات الذهب