الانتحار في السودان.. ما وراء الألم الصامت
9 سبتمبر 2026
في ظل الحرب الممتدة في السودان لا تقتصر آثار الأزمة على فقدان المنازل والنزوح وانقطاع سبل المعيشة، بل تمتد إلى الصحة النفسية وسط تسجيل حالات انتحار ومحاولات للانتحار في عدد من المناطق، في وقت تظل فيه البيانات الرسمية الشاملة عن الظاهرة محدودة.
وكانت آخر هذه الحالات محاولة شاب في مدينة كسلا شرقي السودان الانتحار بعد أن تعلق فوق أسلاك الكهرباء في أحد طرقات المدينة في محاولة لإنهاء حياته. وبعد أن شاهده المارة هرعوا لمساعدته وإنقاذه، وبمجهودات المواطنين والسلطات تمكنوا من إنقاذه.
وتعد هذه الحادثة واحدة من حالات محاولات الانتحار التي شهدتها بعض المناطق في السودان في ظل الظروف النفسية والاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي فرضتها الحرب.
رئيس منظمة "مشاد" لـ"الترا سودان": وثقنا 1,053 حالة لأفكار انتحارية و244 محاولة شروع في الانتحار و769 حالة وفاة بالانتحار منذ بداية الحرب
وقال رئيس منظمة "مشاد" أحمد عبد الله، إن هناك زيادة مخيفة في حالات الانتحار في السودان خاصة بعد اندلاع الحرب. وأضاف أنهم وثقوا 1,053 حالة لأفكار انتحارية و244 محاولة شروع في الانتحار و769 حالة وفاة بالانتحار، منذ بداية الحرب وحتى شهر سبتمبر الجاري.
الانتحار.. أرقام مخيفة
وأشار عبد الله في حديثه لـ"الترا سودان"، إلى أن أسباب الشروع في الانتحار تتمثل في الضغط النفسي وفقدان أفراد الأسرة، إلى جانب الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها المواطنون والأسر، مؤكدًا زيادة نسبة الشروع في الانتحار إلى 600% مقارنة بالأعوام التي سبقت الحرب.
وأوضح أن من أهم أسباب ارتفاع حالات الانتحار الحرب والنزوح والضغط النفسي الشديد، ولفت إلى وجود مواد في القانون السوداني تتعلق بالانتحار لكنها غير مفعّلة بالصورة المطلوب.
وقال إن تقليل حالات الانتحار في السودان يتطلب أولًا إيقاف الحرب وتوعية المجتمع، وتخفيف المعاناة الاقتصادية عن المواطنين إلى جانب توفير فرص العمل والرعاية الاجتماعية.
المحامي مجاهد عثمان لـ"الترا سودان": المحاولة أو الشروع فيها جريمة يعاقب مرتكبها بالسجن لمدة عام وفقًا للمادة (133) من القانون الجنائي السوداني لسنة 1991
ويرى المحامي مجاهد عثمان أن محاولة الانتحار في القانون السوداني تعتبر جريمة ناقصة، وأن المحاولة أو الشروع فيها جريمة يعاقب مرتكبها بالسجن لمدة عام وفقًا للمادة (133) من القانون الجنائي السوداني لسنة 1991.
محاولات الانتحار والعقوبة
وأشار عثمان، في حديثه لـ"الترا سودان" إلى أن حالات الانتحار خلال فترة الحرب كثيرة، موضحًا أن نحو 40% منها تصل إلى القضاء بينما لا تصل 60% منها إلى المحاكم، معتبرًا أن النسبة التي تصل إلى القضاء قليلة وتابع: "مفروض كل القضايا تصل إلى القضاة".
وأوضح أن محاولة الانتحار تعد جريمة وأنها تصل إلى القضاء عندما يقوم شخص بالتبليغ عنها، لافتًا إلى أن كثيرًا من الأسر تتكتم على الأمر ولا تقوم بالتبليغ.
وأشار إلى أن نسبة كبيرة من حالات الانتحار تنتهي بالوفاة وبالتالي يتم اكتشاف الواقعة بعد فوات الأوان.
وقال إن النص القانوني ينص على أن "من يشرع في الانتحار بمحاولة قتل نفسه بأي وسيلة يعاقب بالسجن مدة لا تجاوز سنة أو بالغرامة أو بالعقوبتين معًا".
وأضاف أنه في بعض الأحيان يتم تحويل الأشخاص الذين يحاولون الانتحار من المستشفيات بعد إسعافهم إلى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية.
استشارية علم النفس لـ"الترا سودان": الحرب أخرجت أسوأ ما في الناس وخلقت مشكلات وعنفًا إلى جانب فقدان الأرواح والأموال والإصابات، وهذه العوامل تزيد من الاضطرابات النفسية وحالات الانتحار
قالت استشارية علم النفس د. ابتسام محمود، إن الحرب أخرجت أسوأ ما في الناس وخلقت مشكلات وعنفًا إلى جانب فقدان الأرواح والأموال والإصابات، مشيرة إلى أن هذه العوامل تزيد من الاضطرابات النفسية وحالات الانتحار.
الحرب ترفع الاضطرابات النفسية
وأوضحت محمود، في حديثها لـ"الترا سودان" أن الحرب تعد سببًا أساسيًا في ظهور مجموعة من الاضطرابات النفسية من بينها الشعور بالعزلة واليأس، وأشارت إلى اضطراب ما بعد الصدمة الذي قد تظهر أعراضه في صورة كوابيس وذكريات مرتبطة بأحداث العنف وفقدان الرغبة في القيام بأي شيء ومشكلات في النوم والأكل، إلى جانب تفضيل الشخص للعزلة وقطع التواصل مع الآخرين أو أفراد الأسرة، موضحةً أن الشخص قد يشعر أحيانًا بأن الآخرين لا يفهمونه ولا يستطيع التعامل معهم وقد يلجأ بعض الأشخاص إلى تعاطي مواد مثل المخدرات وغيرها.
وفيما يتعلق بالانتحار قالت محمود إن هناك اختلافًا بين النساء والرجال، موضحةً أن أزمة الحرب تؤثر على النساء والأطفال بصورة أكبر في بعض الجوانب نتيجة تعرضهم لأنواع مختلفة من العنف والنزوح، مشيرةً إلى أن المرأة قد تكون أكثر حساسية تجاه بعض الضغوط، ويكون الطفل أقل نضجًا ما يجعل الآثار النفسية للحرب كبيرة عليهم.
وأضافت أن الحرب أثرت أيضًا على الرجال خاصة بسبب المسؤوليات والشعور بثقلها، وأوضحت أن هناك علامات مهمة ينبغي على الأسرة الانتباه إليها من بينها الحديث المباشر عن الموت أو إيذاء النفس مثل قول الشخص إنه تعب أو إنه لا يريد الاستمرار، مؤكدةً ضرورة عدم التعامل مع مثل هذه العبارات باستخفاف.
وأشارت إلى أن من العلامات الأخرى الانسحاب والعزلة وقطع العلاقات مع الآخرين وعدم الخروج من الغرفة إلى جانب التغيرات المفاجئة مثل الانتقال من الحزن الشديد إلى الهدوء المفاجئ، وإهمال النظافة الشخصية والمظهر وعدم تناول الطعام أو الاهتمام بالنفس.
ولفتت إلى أن من العلامات التي تستدعي الانتباه أيضًا توزيع الشخص لمقتنياته أو كتابة وصيته، أو تسديد ديونه أو البحث عن وسائل لإيذاء نفسه، وأضافت أن الأطفال قد يعبرون عن مشاعرهم المتعلقة بالموت من خلال الرسومات.
وشددت محمود على أهمية أن تتحدث الأسرة مع الشخص بصورة مباشرة وتسأله بوضوح عما إذا كان يفكر في إيذاء نفسه، مؤكدةً أن الحديث عن الانتحار أو الرغبة في الموت يمثل علامة خطر تستوجب التعامل معها بجدية وألا تتجاهل الأسرة مثل هذه الإشارات.
وقالت إن خدمات الدعم النفسي موجودة لكنها غير كافية مقارنة بحجم الحاجة، موضحةً أن هناك ثلاثة أنواع من الخدمات أولها الجانب النمائي الذي يهتم بكيفية نمو الإنسان بصورة صحية نفسيًا خاصة الأطفال ومساعدتهم على اكتساب المهارات التي تعينهم على الحياة.
وأضافت أن الجانب الثاني هو الوقائي ويشمل تعزيز الصحة النفسية للجميع، إلى جانب تدريب الأشخاص الذين يتعرضون للكوارث والصدمات ومساعدتهم على الوقاية من الاضطرابات النفسية.
وأوضحت أن الجانب الثالث هو الجانب العلاجي من خلال المستشفيات والخدمات المتخصصة، مشيرةً إلى أنها متوفرة في السودان لكنها غير كافية مقارنة بحجم السكان وحجم الحاجة.
أزمة الانتحار
وبينما تكشف الأرقام عن جانب من أزمة الانتحار في السودان تظل حالات أخرى خارج نطاق الإحصاءات في ظل ضعف التبليغ ونقص البيانات الرسمية الشاملة، ومع استمرار الحرب وتداعياتها النفسية والاقتصادية والاجتماعية تبرز الحاجة إلى تعزيز خدمات الدعم النفسي وتوسيع برامج الوقاية والتوعية، إلى جانب توفير الرعاية المتخصصة بما يساعد على حماية الأشخاص الأكثر عرضة للخطر والتعامل مع معاناتهم قبل أن تصل إلى مرحلة تهدد حياتهم.
الكلمات المفتاحية
الحكومة تستدعي موظفيها.. قرار العودة يشعل الجدل بين الحماس والتحفظ
استقبل موظفو الخدمة المدنية في السودان قرار مجلس الوزراء بإلزام جميع منسوبي أجهزة الدولة بالعودة إلى مقار عملهم بنهاية أكتوبر الجاري
فرانس برس: سودانيون عادوا إلى الخرطوم ويتمنون لو لم يتخذوا هذا الخيار
عادوا إلى المدينة التي دمرتها الحرب بعزيمة راسخة لإعادة بناء حياتهم، لكن النقص الحاد والمزمن في الكهرباء والمياه وفرص
النينيو والجفاف في السودان.. هل يهدد تغير المناخ الموسم الزراعي؟
خبراء ومختصون يفيدون "الترا سودان" حيال مآلات الموسم الزراعي
كيف استقبل السودانيون قرار عودة الموظفين إلى مقار عملهم؟
عقب قرار إلزام العاملين بأجهزة الدولة الموجودين خارج البلاد بالعودة إلى مقار عملهم خلال 45 يومًا، رصدت كاميرا "الترا سودان" آراء مواطنين.. فماذا قالوا؟
مصرع 4 أشخاص في حادث سير بطريق القطينة–الدويم بولاية النيل الأبيض
لقي أربعة أشخاص مصرعهم، اليوم الأربعاء، إثر حادث سير وقع بطريق القطينة–الدويم بولاية النيل الأبيض.
عودة مئات النازحين إلى أم دم حاج أحمد بعد استعادة الجيش السيطرة عليها
قال المتحدث باسم غرف طوارئ النهود المركزية بولاية غرب كردفان، سليمان أبو حميدة، لـ"الترا سودان"، إن أكثر من 150 أسرة عادت من معسكرات النازحين
انتشار "الجرب" بغرب أم درمان جراء أزمة المياه.. وتصاعد في إصابات الكوليرا
كشفت وزارة الصحة الاتحادية عن انتشارٍ لمرض الجرب في أوساط القادمين من مناطق النزاع بمنطقة غرب أم درمان بولاية الخرطوم