ultracheck
رأي

الأمومة بين العولمة وغربة الذات

22 أبريل 2026
امرأة بالتوب السوداني - آثار دنقلا العجوز.jpg
(تعبيرية/غيتي)
ندى نور الدائم
ندى نور الدائم خبيرة لغويّة بمعجم الدوحة التاريخيّ للغة العربيّة

الإنسان هذا الكائن الاجتماعي المعقد، الهارب من الوحدة منذ لحظة الخليقة الأولى، الباحث عن أنس روحه وسكينتها في غيره، تلك هي فطرته، كما هي فطرة الكواكب أن تدور في فلك! بعد آدم وحواء دار كل إنسان في فلك البحث عن سكينة روحه وطمأنينتها في غيره، وكان أول غيرٍ عرفه هو "أمه"!

الدراسات الحديثة تذهب إلى أن الرضيع لا يبدأ في استيعاب أن أمه ليست ذاته إلا بعد أن يبلغ تسعة أشهر، إذن نحن نتحدث عن غيرٍ "أم"، يعامل معاملة الذات قرابة عام ونصف بحساب أشهر الحمل المعتادة، مع بدء إدراك الصغير أن أمه كائن آخر يبدأ التعرف على مشاعر القلق والخوف من الفراق، يخاف حين تختفي عن ناظره، يرتبك ويشعر أنه فقد قدرته على الدوران لأن مركز فلكه غاب عنه في تلك اللحظة، لذلك ننصح الأمهات في هذه المرحلة بدء تطمين الطفل عبر الحديث معه عن بعد، وزيادة التواصل الحسي والنفسي معه لمساعدته على تجاوز مشاعر القلق وخوف الفراق، وتثبيته نفسيًا بالطمأنينة والمحبة.

لو سألت أمًّا كيف تمر أيامك مع طفلك الرضيع لوجدت يومها يعادل ألف سنة إلا خمسين عامًا، فكأنها تلبث إلى الأبد وحالها حال سيدنا نوح

هذه النقطة تقودني إلى استدراك جانبي على قدر بالغ من الأهمية، ألا وهو حال الأمهات الحاضنات، أعني بالأم الحاضنة الأم من الحمل إلى بلوغ الطفل 5 سنوات، إذ أرى أن النساء في هذه المرحلة الشديدة الحساسية في حياتهن وحياة أطفالهن الذين يمثلون مستقبل البشرية يجب أن يحظين بغاية الاهتمام، وأن يزودن بأكبر قدر ممكن من المعارف والدعم المعنوي والنفسي والمادي لمساعدة الإنسانية بتربية إنسان سوي.

الأم تلك التي تنزل الملائكة من السماء لتنفخ الروح في رحمها لتتحول تلك العلقة إلى قلب نابض بالحياة، ولا تنتهي مهمتها إلا بالموت، تمامًا كالرسل، ولو سألت أمًّا كيف تمر أيامك مع طفلك الرضيع لوجدت يومها يعادل ألف سنة إلا خمسين عامًا، فكأنها تلبث إلى الأبد وحالها حال سيدنا نوح، لكنها ستظل تدعو لأبنائها وتتمنى لهم الخير والهداية والسعادة والهناء، ولن تحتمل فكرة أن يصيبهم مكروه حتى لو بلغوا من السوء عتيًا.

في هذه الحال، ومع تطور الحياة ماديًا وتراجعها اجتماعيًا نجد نسبة كبيرة من الأمهات الحاضنات يعشن في أسر نووية (أم وأب وأطفال) دون دعم الأسر الممتدة (الجد والجدة والخؤولة والعمومة والجيران والأصدقاء)، وذلك نتيجة ظروف متعددة، كلها نتيجة المتوالية الهندسية التي دخلت فيها شرور البشرية، لكن النتيجة حاليًا هي: حالة من الغربة الشديدة حتى وإن كان الإنسان بين ظهراني أهله، فقد أصبح معهم جسدًا، بلا بصر ولا بصيرة، فالبصر معلق بالشاشات حد العمى، والقلب فقد البصيرة من شدة إجهاد الحواس، وفقد الناس الإحساس، وفقدوا أشياء أخرى من صميم احتياجات النفس الإنسانية، مثل هدأة النفس والسكينة  والحكمة المتوارثة والتأمل في النفس والحياة.

حين تشكو الأم ولا يتداعى لها الزوج والأقربون تبدأ بالانهيار، ما يعني تربية كلها صياح وغضب مكبوت يفرغ في الأطفال، أو يرسل الأطفال إلى جحيم الشاشات

وبدأ الوهن يغزو قلوب الأمهات الحاضنات وأجسادهن، فسابقًا كن تحت حماية منظومة اجتماعية متكاملة، تحميهن من التعب النفسي وتعاونهن ليتجنبن التعب الجسدي، وحين تشكو الأم ولا يتداعى لها الزوج والأقربون تبدأ بالانهيار، ما يعني تربية كلها صياح وغضب مكبوت يفرغ في الأطفال، أو يرسل الأطفال إلى جحيم الشاشات قبل أن يكتمل نموهم العقلي أصلًا، فنواجه إحصائيات محزنة عن مجموعة من الأمراض النفسية والجسدية وقصورًا في الانتباه وفقدًا للدافعية، ببساطة، نفقد الطفل الطبيعي لأننا لم نر حاجة أمه للمساعدة، ولم نقدمها في الوقت المناسب.

الأزواج، "وأخذن منكم ميثاقًا غليظًا" على رعايتهن وكفالة أبنائهن، على أن تكونوا حضورًا، ولكم في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسوة حسنة، وهو الذي كان في حرفة أهل بيته، وكان الصحابة يغسلون ملابسهم بأيديهم ليلًا ويلبسونها نهارًا، ونهارهم كله كد وتعب، شاركوا زوجاتكم حضانة أبنائكم، كونوا حضورًا في طفولتهم وشبابهم حتى لا يكونوا غيابًا في وهنكم وشيبتكم! الأسرة تبدأ بأب وأم، لا بأحدهما، بهما معًا والأصل أن يكملاها معًا، لكن حالة الانفصال النفسي الناتجة عن تصور خاطئ قوامه أن البيت مسؤولية الزوجة وحدها، هذا التصور يجعل البيت أوهن من بيت العنكبوت، فاقدًا للسكينة والأنس.

أبناؤكم نعمة فأدوا حقها شكرًا لله وحمدًا ودعاء بزيادة البركة، كونوا "قوامين على النساء" بسخاء النفس وطيب المعشر.

اطلبي المساعدة، عبري عن التعب، واشتكي من الإجهاد لكن استمتعي بالأمومة، اشكري الله على الأحبة، ضميهم إلى صدرك حتى يسكن قلبك وتهدأ نفسك

عزيزتي الأم الحاضنة، أنت أحوج ما تكونين لإدراك مكانتك عند أطفالك، هم عندك جزء من عالمك، بينما أنت في عيونهم وقلوبهم عالمهم كله، منك يبدؤون معرفة العالم، منك يعرفون الله، وبك يهتدون ويطمئنون ويستضيئون ويستجيرون، والعالم كله معلق على تربيتك لهذا الطفل، لا نريد مزيدًا من الشر، نحن نثق بك، والله يحبك لذلك جعلك مناط هذه التكليف العظيم، اطلبي المساعدة، عبري عن التعب، واشتكي من الإجهاد لكن استمتعي بالأمومة، اشكري الله على الأحبة، ضميهم إلى صدرك حتى يسكن قلبك وتهدأ نفسك، داوي نفسك بهم، فهم الدواء.

هذا المساحة خصصتها للذين ينعمون باجتماع الشمل ويبددونه باللجوء والنزوح إلى فضاءات وسائل التواصل الاجتماعي، فيغرقون في بحار عوالم أخرى، أما الذين تفرقهم الحياة اضطرارًا حربًا وموتًا، عملًا واستحالة حياة، فلعلي أفرد لهم مساحة قادمة في القريب، كما سأفرد مساحة للحديث عن ما كانت تقدمه الأسر الممتدة للأجيال السابقة وما قدمته لنا ولأطفالنا في هذه الحرب.

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"

الكلمات المفتاحية

لجوء

من ليبيا إلى بلفاست.. سودانيو المنافي في مرمى النيران

في بلفاست، تحول الهجوم الذي نفذه لاجئ سوداني من مجرد جريمة جنائية، إلى قضية رأي عام


البرهان وحميدتي.jpg

تفكيك الدعم السريع في السودان.. هل تؤدي التسوية السياسية إلى سلام مستدام؟

ثمة اتجاه متزايد داخل عدد من العواصم الغربية والإقليمية نحو الدفع بتسوية سياسية عاجلة للحرب في السودان. ويُقدّم هذا التوجه بوصفه استجابة إنسانية لكارثة تتسع يومًا بعد يوم، لكن السؤال الذي يظل غائبًا عن كثير من النقاشات يتعلق بنوع السلام الذي يمكن أن ينتج عن تسوية تُعقد في لحظة لم تتغير فيها موازين القوى التي أفرزت الحرب نفسها.


الناطق الرسمي باسم قوات الدعم السريع الفاتح قرشي.jpg

الفاتح قرشي يصف صحفيًا معتقلًا في سجون الدعم السريع بـ"المدلع"

بعد نحو عام من الاعتقال، لا تبدو تصريحات الفاتح قرشي محاولة لطمأنة الرأي العام


شنق

بين الشنق والحضن.. من يحدد مصير "المتعاون" في السودان؟

أثار استقبال الجيش السوداني لعدد من قادة قوات الدعم السريع المنشقين عنه موجة واسعة من الأسئلة

اعتقال - معتقلين - سجن.jpg
أخبار

محتجون يغلقون طرقات نيالا احتجاجًا على اختطاف ناطق باسم مكون قبلي

أظهرت مقاطع فيديو متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي إغلاق شوارع رئيسية وسط المدينة

شرطة الخرطوم 2_0.jpg
أخبار

لاحقتهم في "شمارات" بالخرطوم.. الشرطة تعلن عن عملية جديدة

تأتي الحملة في سياق إجراءات أمنية وإدارية تنفذها السلطات بولاية الخرطوم منذ استعادة الجيش السيطرة على أجزاء واسعة من العاصمة


كأس العالم.jpg
منوعات

من يشجع السودانيون في كأس العالم؟

وفي بلد أثقلته الحرب وأرهقته الأزمات، يبقى المونديال مساحة نادرة يلتقي فيها السودانيون حول شغف واحد، حتى وإن اختلفت الأعلام التي يرفعونها.

فلومو
منوعات

قال: أعطوني يومين فقط.. كيف أوفى فلومو بوعده في القمة؟

بدت العبارة للكثيرين مجرد حماس لاعب يرفض الاستسلام، لكنها بالنسبة إليه كانت وعدًا قطعه على نفسه.

الأكثر قراءة

1
مجتمع

عودة الجامعات إلى مقارها الأصلية.. هل يطوي التعليم العالي صفحة النزوح؟


2
مجتمع

هدوء على الأرض وتهديد من السماء.. ما الذي يحدث في مدينة الدلنج السودانية؟


3
مجتمع

حادثة بلفاست واللاجئون السودانيون.. كيف تتحول الجرائم الفردية إلى موجات عداء للمهاجرين؟


4
أخبار

التوقيت يقتل الحلم: هل يضطر السودانيون لمتابعة المونديال عبر الهاتف؟


5
أخبار

الصليب الأحمر ينعى مقتل متطوع سوداني في الأبيض.. ويطلق تحذيرًا