08-يوليو-2022
رئيس الوزارء البريطاني المستقيل بوريس جونسون

استقالة جونسون تعيد إلى الواجهة النقاش حول غياب ثقافة الاستقالة في السودان

استقال رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون من منصبه كرئيس تنفيذي لحزب المحافظين البريطاني. وأعلن جونسون البالغ من العمر (58) عامًا عن تنحيه بعد سلسلة من الاستقالات في فريقه الحكومي الأسبوع الماضي احتجاجًا على قيادته، ولكنه قال إنه سيبقى في منصبه رئيسًا للوزراء إلى حين انتخاب بديلٍ له.

محلل سياسي: الديمقراطية عملية متكاملة تحتاج إلى مجموعة من الإجراءات المتداخلة، ولا يمكن الحديث عن الاستقالة في بلدان محكومة بالانقلابات العسكرية

وقال جونسون أمام مقر الحكومة: "يتعين أن تبدأ عملية اختيار زعيم جديد الآن". وأضاف: "اليوم قمت بتعيين حكومة قائمة بالأعمال وسأواصل عملي إلى حين انتخاب زعيم جديد".

وساهمت الضغوط التي مورست على رئيس وزراء بريطانيا وبطل خروجها من الاتحاد الأوروبي في وقت سابق، في الدفع به لتقديم الاستقالة في آخر المطاف ومغادرة المنصب وبمنتهى البساطة.

استقالة رئيس وزراء بريطانيا تطرح سؤالًا ملحًّا في البيئة السياسية السودانية؛ هل بإمكاننا أن نحلم بمغادرة العاجزين عن أداء وظائفهم لمناصبهم؟ 

علق الصحفي السوداني بقناة الجزيرة القطرية فوزي بشرى على استقالة رئيس وزراء بريطانيا بالكتابة على صفحته الشخصية بفيسبوك قائلًا: "رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون يستقيل ويغادر رئاسة الوزراء ورئاسة الحزب. هكذا يتصرفون حين يعجزون". ويردف بشرى: "دروس مجانية في الديمقراطية وفي ضرورة التخلص من (الأصنام السياسية) الذين يسدون الأفق ويضيقون الطريق على الأجيال الشابة". ويزيد: "درس مجاني للجنرال الوصي على الشعب أن من لا يغادر بالحسنى سيذهب بالعسرى".

https://t.me/ultrasudan

بالتزامن مع إعلان جونسون عن استقالته، كان السودانيون يتجادلون حول إقالة مدير الشركة السودانية للموارد المعدنية مبارك أردول الذي يشغل أيضًا منصب الأمين العام لتحالف قوى الحرية والتغيير (التوافق الوطني) الذي يتهمه البعض بدعم الانقلاب على الحكومة المدنية.

ونفت إدارة الشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة إقالة مديرها مبارك أردول وأكدت أن المدير العام يؤدي مهامه بصورة طبيعية. ولاحقًا نفى وزير المعادن المكلّف محمد بشير أبو نمو الذي تقع الشركة ضمن سلطاته ما يثار عن إقالة المدير العام للشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة مبارك أردول، واصفًا الأمر بـ"الإشاعة المغرضة".

ويصف أردول موقعه كمدير للشركة السودانية للموارد المعدنية بأنها وظيفة في الخدمة المدنية حصل عليها باعتباره مواطنًا سودانيًا، وهو تبرير يبدو مخالفًا لما يراه كثيرون بأنه نال منصبه في سياق "المحاصصات الحزبية" التي تسيدت المشهد في سودان ما بعد الثورة.

وتسود في السودان ثقافة التمسك بالمناصب، في وقت تغيب فيه فلسفة مغادرة المواقع عبر الاستقالة، وهي مسألةٌ حاضرةٌ في الوظائف العامة كما في المناصب الحزبية حيث يبقى الزعيم في منصبه حتى الوفاة.

ويستبعد الناشط السياسي السوداني المقيم ببريطانيا والقيادي في حزب بناء السودان وائل عمر عابدين تقديم مسؤول سوداني لاستقالته من منصبه. ويجزم في حديثه لـ"الترا سودان" بعدم حدوث استقالة من مسؤول سوداني ما لم ينجز السودانيون مشروع الانتقال للديمقراطية الليبرالية ويغادروا "مستنقع الإسلاميين والشيوعيين" - وفق تعبيره.

يقول وائل: "في أعرق الديمقراطيات في العالم سقط رئيس الوزراء من دون ثورة ومن دون انتخابات". ويضيف قائلًا: "ما حدث هناك لن يحدث هنا والسبب أن الفكر الديمقراطي في السودان تعرض لتشويش ضخم بسبب "الصراع الأيديولوجي اليميني واليساري"، لافتًا إلى أن هيمنة الأيدولوجيات "المتناقضات جوهريًا مع أبجديات النظام الديمقراطي" على الفضاء العام في السودان "عقّد الحياة السياسية وأوصل السودان إلى مرحلة من الفشل أصبح معها غير قابل للحكم".

ويرهن عابدين حدوث استقالة للمسؤولين في السودان بـ"تغيير نمط التفكير"، موضحًا: بدلًا عن مطاردة "التغيير الثوري" عليهم تبني نموذج "التغيير المتدرج"، فهو طريق الانتخابات التي تعقبها الاستقالات – على حد تعبيره.

في الثاني من كانون الثاني/ يناير الماضي حدثت الاستقالة الأشهر في تاريخ السودان؛ حين تقدم رئيس الوزراء عبدالله حمدوك باستقالته من منصبه، بعد فشل جهوده لإحداث إجماع سياسي ووطني على اتفاقه الإطاري مع البرهان في 12 تشرين الثاني/ نوفمبر من العام الماضي وتصاعد الاحتجاجات الرافضة للانقلاب العسكري ولاتفاقه مع البرهان ووصول المحتجين إلى أعتاب القصر الرئاسي في 19 كانون الأول/ ديسمبر الماضي.

 وكان حمدوك قد أُزيح من منصبه بالقوة إثر الانقلاب الذي نفّذته القوات المسلحة في 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2021، ثم أُعيد إليه عقب الاتفاق الذي توصّل إليه في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر مع قائد الانقلاب الفريق أول عبدالفتاح البرهان القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة الانتقالي. وأثارت استقالة حمدوك جدلًا كثيفًا بسبب الإجماع "غير المسبوق" الذي حصل عليه في بدايات توليه للمنصب -بحسب مراقبين- فضلًا عن موقعه السياسي الرفيع على رأس السلطة التنفيذية والتعقيدات السياسية التي خلفتها استقالته في بلد يعاني تدهورًا اقتصاديًا ومعيشيًا وضعفًا في البنية التحتية وتعددًا في الجيوش.

وفي الوقت الذي دبج فيه حمدوك استقالته بعبارة "هذه أمانتكم رُدّت إليكم"، قال مراقبون إن الرجل لم يستقيل ولكنه اضطر إلى ذلك بسبب المكون العسكري الذي لم يلتزم بما تم التوافق عليه.

يعزي المحلل السياسي وأستاذ العلوم السياسية الدكتور عوض أحمد سليمان في حديثه لـ"الترا سودان" صعوبة تكرار مشهد استقالات العالم الأول في السودان إلى "الاختلافات في البنية الديمقراطية" فما بين رسوخها في دول الغرب وهشاشتها في العالم الثالث يتجلى الفرق.

وبحسب سليمان، فإن "الديمقراطية عملية متكاملة تحتاج إلى مجموعة من الإجراءات المتداخلة، ولا يمكن الحديث عن الاستقالة في بلدان محكومة بالانقلابات العسكرية".

ويضيف: "لا يمكن النقاش حول عمليات الاستقالة ومغادرة المناصب قبل أن نحسم كيفية الوصول إلى المناصب نفسها". ويتابع قائلًا: "السودان لا يحتاج الجدل حول استقالة مسؤول من منصبه بقدر حاجته إلى حسم آليات وصوله إلى السلطة نفسها في بلاد تتقدم فيها صناديق الذخيرة على صناديق الاقتراع".