استبدال العملات.. هل يتجه السودان نحو سلطتين نقديتين؟
18 مايو 2026
عقب إغلاق المعاملات المصرفية المتعلقة باستبدال العملة من فئتي الـ 500 والـ 1000 جنيه في ولايات الخرطوم، والنيل الأبيض، والجزيرة مساء الجمعة 15 مايو الجاري، تلاحق الشكوك مصير الفئات القديمة إذا ما انتقلت من الولايات الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع إلى شمال، وشرق، ووسط البلاد، وأجزاء من غربها وجنوبها الخاضعة لسيطرة العمليات العسكرية للجيش؛ وذلك على الرغم من إعلان البنك المركزي أن الفئات القديمة ستظل سارية في المناطق التي لم تطالها الإجراءات الأخيرة.
وبالعودة إلى بيان البنك المركزي الصادر في ختام عملية استبدال العملة منتصف مايو الجاري، فقد أكد صلاحية العملة المتداولة من الفئتين القديمتين في بقية الولايات التي لم تشملها الإجراءات، مشيرًا في بيانه الصادر الجمعة 15 مايو الجاري، إلى أن الفئات القديمة تظل سارية في تلك الولايات، والتي يشكل إقليما دارفور وكردفان أغلب مناطقها.
عزلة مالية وعملات موازية
بالمقابل، يقلل المحلل الاقتصادي أحمد بن عمر من إعلان البنك المركزي بأن الفئات المتداولة في مناطق سيطرة الدعم السريع ستظل سارية، موضحًا أن الاستبدال الأخير فرض "عزلة مالية" بين مناطق سيطرة الجيش وتلك التي تخضع لنفوذ الدعم السريع.
المحلل الاقتصادي أحمد بن عمر: لا يمكن للفئات القديمة أن تكون مبرئة للذمة في حال انتقالها من مناطق سيطرة الدعم السريع إلى مناطق سيطرة الجيش
ويقول بن عمر لـ "الترا سودان": "إن تأكيدات البنك المركزي بأن الفئات القديمة سارية في الولايات التي لم تشملها عملية الاستبدال جاءت ضمن السياسات النقدية، لكن هذه العملات إذا وصلت إلى مناطق مستقرة نسبيًا شمال ووسط وشرق البلاد قد لا تكون مبرئة للذمة وتعتبر منتهية الصلاحية؛ وهذا يعني عمليًا أنها لن تكون متداولة سوى في مناطق نفوذ الدعم السريع".
يواجه المواطنون في مناطق سيطرة الدعم السريع أزمة سيولة نقدية حادة، وقد تضطر "السلطة القائمة" هناك إلى طباعة عملة جديدة، وربما تستعين في ذلك بالجنرال الليبي خليفة حفتر أو بروسيا، نظرًا لضلوعهما في مثل هذه الأنشطة
وتابع قائلًا: "هناك مكاسب حققها البنك المركزي باستبدال الفئات القديمة بأخرى جديدة للتداول النقدي بمناطق سيطرة الجيش السوداني، وهي مكافحة التزييف"، مضيفًا أن قوات الدعم السريع قد تلجأ إلى طباعة عملة خاصة بها بالاستعانة بالمشير الليبي خليفة حفتر، والذي يُلقب بـ 'إمبراطور العملات الموازية' في أفريقيا، بالإضافة إلى أن الدعم السريع قد يستعين بروسيا لمساعدته على ضخ عملات جديدة عبر شركات رمادية موضحًا أن المواطنين في مناطق نفوذ قوات حميدتي يواجهون أزمة حادة في السيولة النقدية.
ويرى المحلل الاقتصادي أحمد بن عمر أن البنك المركزي تمكن إلى حد كبير من "رقمنة النقود" واستبدال العملات عبر الإيداع في الحسابات المصرفية، وإيقاف استبدال العملة بأخرى يدويًا كما كان يحدث في السابق.
ويعتقد بن عمر أن "الطفرة" التي تحققت في "رقمنة الأموال" خلال العامين الأخيرين لم تتحقق حتى في سنوات ما قبل الحرب، على الرغم من ضعف شبكات الاتصال وتضرر البنية التحتية جراء الحرب.
فئة الـ 1000 جنيه التي أُلغيت بالتدرج منذ عامين، كانت تعادل قبل الحرب قرابة 1.80 دولار أمريكي في السوق الموازية (أي أقل من دولارين)، واليوم تعادل 25 سنتًا فقط (أي ربع دولار)
وكان البنك المركزي السوداني قد ابتدر عملية استبدال العملة من فئتي الـ 500 والـ 1000 جنيه منذ نهاية عام 2024 ومطلع عام 2025 في أجزاء من الولايات الشرقية والشمالية، قبل أن يُعمم الاستبدال لاحقًا على ولايات الخرطوم، والجزيرة، والنيل الأبيض، والتي بقيت دون استبدال لفترة بسبب الأوضاع الأمنية.
وفئة الـ 1000 جنيه التي أُلغيت بالتدرج منذ عامين، كانت تعادل قبل الحرب قرابة 1.80 دولار أمريكي في السوق الموازية (أي أقل من دولارين)، واليوم تعادل 25 سنتًا فقط (أي ربع دولار)، مسجلة خسارة بنحو 75% من قيمتها قبل ثلاث سنوات.
هذا التدهور المتسارع في الجنيه السوداني انعكس سلبًا على القوة الشرائية والقطاعات التجارية والاستثمارية في بلد يعتمد على استيراد أغلب السلع الاستهلاكية من دول الجوار والخليج وشرق أفريقيا بسبب تضرر المصانع المحلية، وتواجه ميزانيته عجزًا في الميزان التجاري وصل إلى 3.6 مليار دولار العام الماضي.
وفي منتصف عام 2025، قيد البنك المركزي السيولة النقدية مستهدفًا التحول الكامل نحو "رقمنة الأموال"، وحث الجمهور على الإيداع في الحسابات المصرفية، واليوم باتت ثقافة الشراء والبيع عبر التحويل البنكي التقني هي السائدة بين المواطنين بشكل كبير، على الرغم من عدم كفاءة شبكات الاتصالات في العديد من المدن والقرى.
مدن معزولة من القطاع المصرفي
وتقلص القطاع المصرفي في البلاد بسبب الحرب لا سيما في إقليم كردفان بشكل كبير، وظل يعمل في نطاق محدود جدًا شمل مدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان، بالإضافة إلى توقف جميع البنوك في إقليم دارفور بسبب الوضع الأمني وعدم وجود أمان لحركة الأموال وسلامة الموظفين، إذ أغلق البنك المركزي السوداني فرعين رئيسيين له في الفاشر ونيالا منذ ثلاث سنوات.
تتم حركة البيع والشراء في مناطق سيطرة الدعم السريع عن طريق "الفرنك التشادي"، و"الدولار الأمريكي"، و"تطبيقات البنوك السودانية"، بالإضافة إلى "مقايضة السلع"
وتشير تقديرات أولية إلى أن 900 فرع بنكي في السودان قد تضرر من الحرب، على الرغم من استعادة المصارف قدرتها التشغيلية في مناطق سيطرة الجيش خلال العامين الأخيرين، كما عاد مقر البنك المركزي إلى العاصمة الخرطوم مطلع هذا العام.
كما عُزلت مدن وقرى كاملة في إقليمي كردفان ودارفور عن التداول النقدي المباشر مع بقية المناطق، وبات السكان المحاصرون بين خطوط النار يعتمدون كليًا على التطبيقات البنكية.
التطبيقات التقنية المصرفية خلقت حلولًا جذرية للبيع والشراء ونقل الأموال داخل وخارج البلاد ومناطق سيطرة الدعم السريع لم تستثنى منها وقد تكون واحدة من "نفاجاتها المالية
وفي هذا الصدد، يقول المحلل الاقتصادي حسام الدين إسماعيل لـ "الترا سودان" إن المواطنين في دارفور وكردفان، لا سيما في مناطق سيطرة الدعم السريع، يعتمدون على التطبيقات التقنية المصرفية للشراء والبيع وإرسال الأموال باعتبارها الوسيلة الأكثر أمانًا، كما تستخدم بعض المناطق الفرنك التشادي، والدولار الأمريكي، وعملة أفريقيا الوسطى، طالما أن حركة الشراء والبيع تحدث في نطاقات محدودة جدًا وآمنة.
المحلل الاقتصادي حسام الدين إسماعيل: لا تستطيع "حكومة الدعم السريع" إنشاء مصرف مالي أو إصدار عملة خاصة بها؛ نظرًا لوجود تعقيدات متعددة ومتشابكة تواجه هذا المسار
ويستبعد إسماعيل لجوء قوات الدعم السريع إلى إنشاء مصرف مالي خاص بها، موضحًا أن هناك صعوبة بالغة في مثل هذه الإجراءات في ظل وجود قوانين دولية صارمة تنظم المصارف؛ ومع ذلك، يقول المحلل الاقتصادي إن الإمارات تقدم الحماية وتحول دون حظر البنوك التجارية التي تتخذ من مناطق سيطرة الجيش مقرًا لها لعملياتها النقدية والمصرفية أو تطبيقاتها التقنية المستخدمة في مناطق سيطرة الدعم السريع، لأن جزءًا من الاستثمارات في هذه البنوك خاص بالإمارات وفق تعبير حسام الدين إسماعيل.
بداية التشظي المالي
ومن جانبه، يقول المحلل الاقتصادي وائل فهمي لـ "الترا سودان" إن الدولة تقوم أساسًا على "احتكار إصدار النقود" عبر البنك المركزي، ومدى وصول سلطتها الإدارية والتنفيذية للقطاع المصرفي والسياسات المالية إلى جميع المناطق دون استثناء، مشيرًا إلى أن السودان لم ينجُ من "حرب العملات" خلال العامين الأخيرين، والتي سارت جنبًا إلى جنب مع المعارك العسكرية.
المحلل الاقتصادي وائل فهمي: خروج مناطق في السودان من الكتلة النقدية المطروحة من البنك المركزي أخطر مراحل التشظي المالي
وأضاف فهمي: "تؤدي حرب العملات في نهاية المطاف إلى الانفصال النقدي، والذي غالبًا ما يسبق أو يرافق الانقسامات السياسية الكبرى في الدول المتأزمة اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا، بغض النظر عن الأجندات الأجنبية التي ينفذها أحد أطراف الصراع".
ويرى فهمي أن خروج مناطق سيطرة الدعم السريع من دائرة الكتلة النقدية التي يديرها بنك السودان المركزي يمثل أخطر مراحل التشظي، محذرًا من أن هذه الإجراءات تقود مباشرة إلى الانقسام السياسي، والإداري، والاجتماعي في البلاد.
الكلمات المفتاحية
خبير اقتصادي: لهذه الأسباب لا يمكن أن ينتعش الجنيه السوداني
اضطراب شديد في أسعار النقد.. وخبير اقتصادي يكشف لـ"الترا سودان" لماذا لا يمكن أن ينتعش الجنيه السوداني
أسعار السلع تنفجر في الخرطوم.. قفزات في السكر والدقيق والزيوت خلال أيام
قفزت الأسعار بنسب غير مسبوقة خلال أيام معدودة
هل تنجح الحكومة في تنفيذ قرار استيراد الوقود بدلاً من الشركات؟
أعلن مجلس الوزراء في اجتماعه الطارئ الذي عقده الجمعة 12 يونيو الجاري انخراط الحكومة رسمياً عبر وزارة الطاقة والنفط في استيراد شحنات الوقود
بعد صيام تهديفي.. منتخب السودان للسيدات يهز الشباك لأول مرة في سيكافا
تأتي مشاركة المنتخب السوداني ضمن مساعي الاتحاد السوداني لكرة القدم لتوسيع قاعدة كرة القدم النسائية
مستند الفيفا يفضح المستور.. "الترا سودان" يتحصل على الخطاب الذي قاد إلى أخطر قرار في الكرة السودانية
يكشف المستند، الذي اطلع عليه "الترا سودان" تفاصيل بالغة الحساسية حول ملف دارت بشأنه تساؤلات عديدة خلال الفترة الماضية
خلاف داخل مقهى ينتهي بمأساة.. مقتل شابة سودانية في القاهرة
لقيت شابة سودانية مصرعها إثر اعتداء داخل أحد المقاهي بمنطقة مدينة نصر في العاصمة المصرية القاهرة
المنتخبات العربية في كأس العالم 2026.. من يشجع السوداني؟
طرح الترا سودان سؤالًا على متابعيه: أي المنتخبات العربية تشجع في كأس العالم 2026؟ وكشفت نتائج التصويت، التي شارك فيها أكثر من أربعة آلاف متابع، ما هو أبعد من كرة القدم.