اختطاف وقتل

اختطاف وقتل "بهاء الدين نوري".. والوثيقة الدستورية

(الترا سودان)

بهاء الدين نوري، عامل يومية يسكن بحي "الكلاكلة" بالخرطوم، علمت أسرته بوفاته يوم الاثنين 21 كانون الأول/ديسمبر، بعد اقتياده من قبل مجهولين قبلها بأيام من سوق "الكلاكلة صنقعت"، وقد أكدت أسرة الفقيد أن حالة جثمانه تدل على تعرضه للضرب والتعذيب بما يرجح وفاته متأثرًا بها، وطالبت أسرته بتشريح الجثمان والحصول على تقرير لمتابعة الإجراءات القانونية. 

 ليست أول حالة اختفاء قسري تحدث في ظل العهد الانتقالي

وفي أول تعليق رسمي على قضية قتيل الكلاكلة "بهاء الدين نوري"، قال المتحدث الرسمي باسم الحكومة وزير الإعلام فيصل محمد صالح، في تصريح صحفي السبت، إنّ وفاة بهاء الدين حدثت بأحد مراكز قوات الدعم السريع أثناء التحقيق معه ونُقل الجثمان إلى قسم الصافية بالخرطوم بحري ومن ثم تم تحويله لمشرحة أم درمان. وفي ذات الوقت أعلن المكتب الصحفي لقوات الشرطة، في بيان صحفي، أن إجراءات التحقيق ما زالت مستمرة.

اقرأ/ي أيضًا: الحرب.. توظيف سيئ لخيال أسوأ

هذه ليست أول حالة اختفاء قسري تحدث في ظل العهد الانتقالي، رغم أنه عهد جديد، بوصفة دستورية وقانونية جديدة رسمتها ملامح ثورية انتفضت ضد ذات السياسات الشمولية البالية، فقد شهدت البلاد في الثالث من حزيران/يونيو العام الماضي –قبل تشكيل الحكومة- جريمة كبرى ضد الانسانية، سقط خلالها أكثر من مائة شهيد، وكان مصير أكثر من عشرين ثائر الاختفاء القسري، بحسب ورقة بحثية للمركز الإفريقي لدراسات العدالة والسلام.

وهي جد جريمة خطيرة، فهي انتهاك جنائي مركب، اختفاء قسري واعتقال خارج القانون بمركبة لا تحمل لوحات وتعذيب وحشي قاد إلى الوفاة، طالت مواطنًا سودانيًا مدنيًا -هذا مسمار في نعش الحكم الانتقالي الديمقراطي الذي يعتمد المواطنة أساسًا دون تمييز، ويضع الناس سواسية أمام القانون. 

ولعل العلة ليست في سلوك متفلت لأفراد قوات نظامية مارسوا التعذيب على مواطن حتى الموت فحسب، إنما العلة في نظام حكم يسمح عبر سياساته باستنساخ الدكتاتورية، التي خرج عليها الملايين وثاروا ضدها حتى اقتلاعها، فتصنع السلطة الماَسي كل يوم ولا يحاسبها أحد -وجدير هنا بالحكومة الإجابة على الأسئلة المشروعة التي طرحتها اسرة الشهيد بهاءالدين، في بيان إعلامي، ما هي الجهة الأمنية الرسمية التي ظلت ترصد وتراقب الشهيد بهاء، وما هي أسباب اختطافه، وأين تم اعتقاله وإخفائه، ولماذا لم تخطر أسرته بمكان وسبب اعتقاله، وأين ولماذا تم تعذيبه بهذه الوحشية، ومن الذي أمر بذلك؟

إن بروز وتكرار مثل هذه الانتهاكات، هو غرف من معين التجارب السوداء للنظام البائد، وهو امتداد لسياسة إرهاب الفكر وتكميم الأفواه التي كرستها سياسات النظام السابق في اعتماده مبدأ "الإفلات من العقاب" وغياب سيادة حكم القانون، أساسًا لعمل جميع أجهزة الدولة المنظمة منها، وأجهزته الأمنية التي لا يعلم الناس عنها شيئًا، فاستخدمت الحكومة السودانية منذ عقود الاختفاء القسري ضد خصومها السياسيين، ولإسكات المجتمعات المهمشة، ولفرض سيطرتها -بشكل أو أخر- على المجتمع.

اقرأ/ي أيضًا: اللاجئون.. الوجه الحقيقي للحرب في في إقليم تيغراي

ولعل ما يثير الدهشة، أن الجريمة التي وقعت قبل أيام والوقائع المتكررة التي تشابهها، ظلت تحدث، خارج إطار القانون، في مرأى ومسمع قيادة الحكم الانتقالي التنفيذية والسيادية، وهي تعبر عن انتهاك صريح للوثيقة الدستورية وكافة قوانين وتشريعات ومعاهدات الحكم الانتقالي، والتي نصت على الآتي: 

أولًا: نصت الوثيقة الدستورية للحكم الانتقالي (وثيقة الحقوق والحريات) على الحق في الحياة والكرامة الإنسانية والسلامة الشخصية والحق في الحرية والأمان، وعلى عدم جواز حرمان أو تقييد حرية أي مواطن إلا وفق إجراءات القبض والاعتقال التي يحددها القانون، كما تضمنت الوثيقة حق المساواة أمام القانون والحُرمة من التعذيب والمحاكمة العادلة. 

ثانيًا: حصرت الوثيقة الدستورية مهام المحاكم العسكرية للقوات النظامية في محاسبة منسوبيها فقط واستثنت من ذلك القضايا المتعلقة بالمدنيين وحقوقهم والتي تفصل في أمرها محاكم القضاء العادي.

ثالثًا: رغم عدم وجود نص صريح بالقانون الجنائي السوداني لعام 1991 حول (الاختفاء القسري)، لكن المواد (161، 162) جرمت الاختطاف والاحتجاز إضافة إلى المواد (77, 81,83) التي تُجرم الاحتجاز السري وتكفل الحماية لكافة المعتقلين دون تمييز على أي أسس.

رابعًا: التعديلات التي أجرتها الحكومة الانتقالية في القانون الجنائي في نص المادة (4ب) و(2-115) والتي نصت على حظر وتجريم تعذيب المتهمين جسديًا أو نفسيًا.

خامسًا: صادق السودان على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وتحظر هذه المعاهدات استخدام التعذيب والاعتقال السري وتنص –أيضًا- على الحق في الحياة، والحق في المحاكمة العادلة، والحق في الاعتراف بالشخص أمام القانون.

سادسًا: إعلان رئيس الوزراء في السادس من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، الموافقة على المصادقة على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، واتفاقية مناهضة التعذيب -التي وقع عليها السودان في العام 1986 ولم يصادق عليها في ذلك الحين.

إن أي محاولات للملمة هذه القضايا تحت الطاولة والاكتفاء بتشكيل لجان التقصي، وفق أي دعاوى، تعبر عن ضعف المنطق وقِلة الحيلة، وإن تكرارها يفتح الباب للتساؤل حول مدى مؤسسية هذه الانتهاكات، ويوسع دائرة مسئولية الإجابة على السؤال المتداول بكثافة على الوسائط المختلفة (من قتل بهاء الدين نوري؟)، لتشمل رأس الدولة في شقيه السيادي والتنفيذي، ومدراء وقادة هذه المؤسسات، الذين يغضون الطرف كل يوم حيال انتهاكات جسيمة تطال المواطن السوداني وتكتفي الدولة بتشكيل لجان التحقيق ومحاسبة الأفراد لتضع بذلك الظاهرة في عنق الزجاجة.

اقرأ/ي أيضًا: من يخلف الإمام الصادق المهدي؟

الحكومة الانتقالية تُحسن صنعًا لو تعاملت مع الجريمة التي كشفت طلاسم نفسها بالأمس، بمسؤولية وتقدير لحجم ذلك الانتهاك الخطير المتكرر، عبر الاعتراف به ومكاشفة المواطن وطرح الحلول العملية التي أولها مخاطبة جذور الأزمة والسعي لحلها بتكريس سيادة حكم القانون وبحث مدى موائمة سياسة الدولة للدستور، القوانين والمعاهدات الدولية، ومحاربة الإفلات من العقاب بوضع إجراءات جادة تضمن ذلك، ومراجعة القوانين وإلغاء الحصانة بما يضمن الحقوق وتساوي الناس أمام القانون دون تمييز، وإدارة نقاش حقيقي يستصحب كل أصحاب المصلحة، بشكل شفاف ومفتوح، حول إصلاح المؤسسات العسكرية والأمنية ومراقبة أدائها وفقًا للمهام التي رسمها الدستور الانتقالي، ومنع توسع عملها خارج إطار القانون، وثانيها استكمال هياكل السلطة بما يضمن تمثيل حقيقي للمواطن لصناعة ومراقبة تنفيذ التشريعات الانتقالية، التي تضمن وقف الانتهاكات وجبر الضرر وتعويض المتضررين وبما يضمن الوصول إلى سبل إنصاف سريعة وتعزيز دور مفوضية حقوق الإنسان بما يسهم في رفع مستوى الشفافية والتتبع المستمر لأي انتهاكات.

تحويل الوثيقة الدستورية إلى واقع مُعاش يتطلب عملًا جادًا تديره جميع أجهزة الدولة كل وفق اختصاصه 

لقد دخل المدنيون إلى السلطة عبر وثيقة دستورية لحكم انتقالي ديمقراطي كامل يعبر عن واقع دستوري وسياسي جديد بالبلاد، لا مكان فيه للاختفاء القسري والتعذيب والقتل وكذا انتهاكات لحقوق الانسان، وتحويل هذه الوثيقة إلى واقع مُعاش يتطلب عملًا جادًا تديره جميع أجهزة الدولة كل وفق اختصاصه، دون انكار أو تهرب ومساومة بما يضمن معالجة أساس الخلل ومنع تكراره ورد الحقوق وجبر الضرر، ولن يتحقق ذلك دون إيفاء الدولة بالتزاماتها الدستورية كاملة وتوفر الإرادة السياسية لوقف هذا النوع من الجرائم التي تقع خلف الخطوط الحمراء، فمن أمن العقوبة.. أساء الأدب.

اقرأ/ي أيضًا

جنوب السودان وقضايا الحوار الوطني واتفاقية السلام

التغيير في أمريكا.. بايدن ومآلات التطبيع