أيبو كُردم.. مغني بلوز الصحارى السودانية

أيبو كُردم.. مغني بلوز الصحارى السودانية

أيبو كردم وفرقته (الترا سودان)

الترا سودان - فريق التحرير

كان سكان الحي الذي يسكن فيه إيبو كردُم Ebo Krdum بغرب السودان في مدينة نيالا يستمتعون بسماع ومشاهدة الفتى الصغير النحيل وهو يقوم بعزف عددٍ من الإيقاعات المحلية بواسطة الطرق بأسنانه.

هكذا كانت البدايات بالنسبة لإبراهيم خليل كردم الذي عُرف لاحقًا باسم إيبو كردُم مغني البلوز السوداني، ومؤسس فرقة Genuine Mezziga أحد أبرز الفرق الموسيقية هناك بالسويد.

يحكي إيبو كردُم  مبتسمًا: "كان لدي صديق في المدرسة، طلب مني الانضمام إلى فرقته التي يدعوها الأمل المنشود، ذهبت معه، لكن لفترة طويلة ظللت "كنب" –أي احتياط

ومثلما كانت طوابير الصباح المدرسية فرصة لاكتشاف عدد من الموهبيين في مجالات عديدة، كان لإيبو نصيه من هذا المتنفس الأوحد بالنسبة للتلاميذ، في فترات ضَعف فيها الاهتمام بالابداع الطلابي، وطُبعت المدارس السودانية، بطابع التأديب أكثر من التعليم والتربية، فكان طابور الصباح في مدرسة السلطان تيراب بنيالا، أو "نجالا" كما يدعوها إيبّو كانت فرصة لإبداء ذلك الجانب الآخر من فنه، غير العزف على آلات الموسيقى، بل والغناء أيضًا.

اقرأ/ي أيضًا: غوردون كونغ دوث.. الفنان ذو الموسيقى البصيرة

يحكي إيبو كردُم مبتسمًا: "كان لدي صديق في المدرسة، طلب مني الانضمام إلى فرقته التي يدعوها الأمل المنشود، ذهبت معه، لكن لفترة طويلة ظللت "كنب" –أي احتياط-. يضيف ضاحكًا: "ربما لأنني كنت "أغبش" وعائلتي لا تقوم برعايتي صباحًا وإرغامي على الاستحمام واستخدام العطور ومرطبات البشرة، فنحن أولاد "الجناقل"، كنا أحيانًا نأتي إلى المدرسة حافيين الأقدام وبملابس ممزقة".

في تلك الفترة، وبالرغم من أن الفرقة لم تعطه مساحة للمشاركة، إلا أنه أصر على الاستمرار على وحضور البروفات، رغم بعد المسافة بين سكنه وبين مقر الفرقة، بالإضافة لهذا البعد كان هناك أمر آخر، فقد كانت الأسرة تعتمد عليه في دخلها ومعيشتها، كانت والدته تصنع بعض أغطية الرأس الرجالية "الطواقي"، بالإضافة للآيسكريم الشعبي "الداندرمة"، فكان الشرط بينه وأمه، حتى يتمكن من المشاركة في البروفات، هو أن يقوم ببيع بعض هذه الطواقي والآيسكريم، ورغم ذلك نجح إيبو كردُم في اقتلاع مكانه في تلك الفرقة.

ولاحقًا بدأ إيبو كردُم في تطوير مهارته الموسيقية، فبدأ تعلم آلة الجيتار، التي صنعها يدويًا مستيعنًا بأحد النجارين في الحي، وكان مقابل هذا العرض عليه أن يقوم بنظافة مخلفات أعمال الورشة، وبذلك أصبح بمقدوره أن يصنع جيتاره الخاص، ليتعلم عليه العزف، ثم بعد ذلك تعلم العزف على عدد من الآلات المحلية والحديثة، كالدرمز، والأورغ، والفلوت، والإيقاع "الدربكة" إلى جانب الإيقاعية المحلية.

وفي دارفور التي شهدت نزاعًا مسلحًا اندلع منذ العام 2003 خلف إثره عددًا من القرى والمدن المحروقة، والأطفال المشردين، عملت منظمات الأمم المتحدة في معالجة آثار الحرب، وكان من ضمن هذه المعالجات الاستعانة بالموسيقى. يقول إيبو كردُم لـ"ألترا سودان"، إن المنظمات وفرت له مكانًا للتنفيس عن إبداعه، إذ انخرط معها في حملات علاج نفسي بالموسيقى في عدد من القرى والمدن التي طالتها يد الحرب، بالإضافة إلى العمل الراتب في المعسكرات لإعادة التأهيل النفسي للمتضررين من الحرب عبر الموسيقى. ويضيف: "المنظمات وفرت لي شيئًا آخر، وهو العمل داخلها كموظف".

اقرأ/ي أيضًا: محمد جمال الدين.. رج المقدس في غناء الحقيبة

في العام 2009، كانت أولى الفرص لأيبو للعبور نحو العالمية، فبالإضافة لكونه مغنٍ وموسيقى وكاتب أغاني، يمارس إيبو كردُم التمثيل، فشارك في ذلك العام، في مهرجان "البان أفريكان" في الجزائر، بصحبة عدد من الممثلين، مؤدين مسرحية غنائية بعنوان: "كاليق". و"كاليق" وهي قرية صغيرة تقع غرب السودان،  شهدت عملية إبادة وحشية قضت على جميع سكان القرية وحيواناتها لم ينج منها سوى بنتٌ وحمار.

وربما مثّلت الهجرة متنفسًا لعددً من المبدعين السودانيين في مجالات عدّة، لإتاحة الفرصة لابداء مهاراتهم، بالإضافة إلى ترقية أوضاعهم المادية التي تنعكس مباشرة على إنتاجهم الفني، وهكذا؛ عندما هاجر إيبو إلى أوروبا، وجال في عدد من الدول، استقر به المقام في دولة السويد، فانخرط حالًا في تعلم اللغة السويدية، بالاضافة إلى رغبته في فهم المجتمع السويدي، الأمر الذي قال عنه لـ"ألترا سودان"، أنه ربما أخر قليلًا انطلاقته الفنية. وعلّق على أثر الهجرة عليه، قائلًا "الهجرة لم تضف لي فنيًا، لكنها وفرت لي الجو الديموقراطي الضروري لأي إبداع فني.

بالإضافة إلى السويدية والانجليزية، التان يغنى بهما، أيضًا يجيد إيبو اللغة الفرنسية، لكن معظم إنتاجه الفني كان عبر الغناء باللغات السودانية المحلية، فهو أيضًا يجيد ويغني بكل من: لغة الدينكا، دينكا أبيي، الفور، الهوسا، البجا، الداجو، الزغاوة، النوبية، المساليت، الأنغسنا، الفلاتة، الفولاني. وغيرها، بالإضافة إلى غنائه بعدد من اللهجات العربية السودانية.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "خرطوم أوفسايد" والهوية الإنسانية المفتوحة

في السويد، في العام 2017 أسس إيبو كردُم فرقة Genuine Mezziga، وقال لـ"الترا سودان" عن تلك التجربة أنها أخذت منه جهدًا كبيرًا، حيث وضع شرطًا لقبول المتقدمين للانخراط في الفرقة، وقال إن الأمر لا يعتمد فقط على مدى المهارة الغنائية، بل كان الأمر، في تقديره، ينضوي على طابع إيماني، وهو ضرورة الإيمان بالموسيقى كسلاح، لا مجرد هواية أو عمل مدر للمال.

وأخيرًا استطاع إيبو كردُم اختيار ستة مغنيين وعازفين من جنسيات مختلفة، من نيجيريا وبولندا والسويد وغامبيا إلى جانبه هو.

يحكي إيبو لـ"ألترا سودان": "لم أحب فكرة أن يؤدي الفنان كلمات أغنية لا يعرفها، فانخرطت في ورش تدريبية وتعليمية أقوم فيها بشرح الكلمات، التي أكتبها باللغات السودانية المحلية، لأعضاء الفرقة، شارحًا لهم أبعادها الثقافية والاجتماعية".

المستمع لإيبو بالتأكيد سيرى وجه الشبه بينه والمغني المالي الشهير "علي فاركا توري" وعن هذا الأمر يحكي إبو عن بدايات تعرفه على علي فاركا توري. يقول: "لم أكن أعرف من صاحب ذلك الصوت الذي كان ينبعث من جهاز الراديو، لكني كنت أجلس الساعات الطوال وأنا أحرك موجة الراديو يمينًا وشمالًا وأنا أبحث عن صوت ذلك المغني الذي كان يصدر من جهاز الراديو، لم أكن أعرف بحقٍ من هو". يضيف: "العديد من السودانيين ربما يظنون أن الايقاعات التي استخدمها في أغانيّ هي ايقاعات وافدة إلينا، لكن على العكس تمامًا، كل هذه الايقاعات هي ايقاعات أصيلة لدينا وعباقرة البلوز يعرفون ذلك، وربما لو كنا أوليناها اهتمامًا مثلهما اهتموا هم بإيقاعاتهم كان سيقول البعض إن موسيقى مالي تشبه موسيقى السودان. صوت توري يذكرني بإبراهيم موسى أبا.

كان إيبو كردُم  وفرقته ضمن  ثلاث من أفضل الفرق الموسيقية التي تم اختيارها من بين عشرات الفرق، ليتم إعلان الفائز منهم فيما بعد

ولفت إيبو إلى أن المشترك في "البلوز الأفريقي" هو البيئة التي تخلّق فيها، ويقول أن البلوز في مالي وليد البيئة الصحراوية، التي نجدها أيضًا في السودان. ويضيف: إن الصبغة الأساسية لبلوز الصحراء هي الإيقاع الهاديء الذي يمثل مشي الجمال في الصحراء بمصاحبة آلة من وتر واحد، قائلًا إنها في السودان آلة "أم كيكي" وفي مالي يدعونها "القوجو" وأحيانًا توجد آلات من ثلاثة أوتار، مثل آلة "نقوني" الموجودة في مالي وغرب أفريقيا.

استطاعت فرقة Genuine Mezziga التي يقودها أيبو أن تنال حظًا وافرًا من النجاح، إذ اختارتها لجنة فنية تنظم مسابقة كبرى في دولة السويد للموسيقى الشعبية العالمية، وتقوم هذه اللجنة باختيار أكثر 1500 فرقة في تصويت سري، ليتم الكشف عنها لاحقًا، ثم تقوم اللجنة بترشيح ثلاثة من كل مجموعة من القائمة الأولية، حيث كان إيبو كردُم وفرقته ضمن هؤلاء الثلاث، الذين لم يعلن عن الفائز منهم بعد.

 

اقرأ/ي أيضًا

الفن التشكيلي بجنوب السودان.. ألوان توثق للحياة وذاكرة الحرب

نور الهدى و"دار عزة".. ثلاثة أولاد و579 كتابًا