ألف يوم على حرب السودان.. حين يصبح الوطن ذكرى والمنفى اضطرارًا
15 أبريل 2026
لم تكترث عائلة "محمود" وهي تغادر منزلها بضاحية جبرة جنوب الخرطوم بحمل أوراقها الثبوتية؛ فقد كانت تعتقد أن رحلة النزوح الداخلي مجرد "سحابة صيف" سرعان ما ستنجلي مع توقف الحرب، وأن العودة لن تستغرق سوى بضعة أيام أو أسابيع لاستئناف حياتهم في العاصمة.
نحو 1100 يوم، ظلت فيها الطائرات المسيّرة تتصدر الفضاء السوداني، بدلًا من الطيران الناقل للمسافرين من وإلى مطار الخرطوم الدولي، وهي أطول عزلة من نوعها يعيشها السودان عن الملاحة الجوية الدولية من قلب عاصمته.
اليوم، حصلت هذه العائلة بالفعل على أوراق ثبوتية، ولكن في ضاحية بدر بالقاهرة، حيث تقيم هناك منذ قرابة العامين ونصف العام، بعد أن مكثت ستة أشهر في قرية صغيرة بنواحي الولاية الشمالية. وهناك، حين تبددت آمالها بشأن توقف الحرب، اتخذت القرار الصعب بالسفر إلى مصر.
تعكس هذه الواقعة تحولات الحرب في السودان؛ فبعد أن كان الاعتقاد السائد أنها مجرد اشتباكات محدودة بين الجيش والدعم السريع في العاصمة الخرطوم ستنتهي بعودة الأمور إلى نصابها، صارت المدينة التي كانت تعج بالحياة ويقطنها نحو 10 ملايين شخص، تقف اليوم أطلالًا، تتنازعها الرغبة في العودة والمخاوف من شح الخدمات الأساسية؛ مثل الكهرباء والمياه وشبكات الاتصالات، ناهيك عن أسعار السلع التموينية التي ارتفعت إلى عشرة أضعاف ما كانت عليه قبل ثلاث سنوات.
تقاصرت الأحلام التي كانت تملأ الطرقات بين طلاب الجامعات وتلاميذ المدارس؛ فبات أقصى الطموح هو البقاء في مكان آمن، بدلًا من التطلع إلى المشاركة في حفلات التخرج الباذخة التي كانت تميز ليالي الخرطوم
تقاصرت الأحلام التي كانت تملأ الطرقات بين طلاب الجامعات وتلاميذ المدارس؛ فبات أقصى الطموح هو البقاء في مكان آمن، بدلًا من التطلع إلى المشاركة في حفلات التخرج الباذخة التي كانت تميز ليالي الخرطوم. ومع ذلك، لا يزال الحنين يدفع الناس إلى تمني رؤية شوارع العاصمة تضج بالحياة مجددًا، وفي سبيل ذلك يتصفحون مواقع التواصل الاجتماعي لاستعادة "بعض الأمل"، ولو كان بصيصًا واهيًا.
ثلاث سنوات مرت على الحرب التي اندلعت بين الجيش والدعم السريع، ولا تزال فوهات البنادق مصوبة نحو صدور الجنود المنتشرين في جبهات القتال بكردفان ودارفور والنيل الأزرق. كما لا تزال الخطوط الأمامية في شمال كردفان، على الحدود مع أم درمان، تشهد تحركات كثيفة لمدرعات الجيش وسيارات قتالية، تهدف إلى منع تقدم قوات الدعم السريع والوصول مرة أخرى إلى قلب العاصمة.
أما الجوع، فهو الشعور الذي بات يطرق أبواب المعدمين والمحاصرين بسبب الحرب؛ إذ لا يمكن ضمان حصول المواطنين على الطعام بصورة اعتيادية، سوى بالوقوف في طوابير "المطابخ الجماعية" (التكايا) في بعض أحياء أم درمان وشرق النيل، وتحديدًا في منطقة الوادي الأخضر.
وفي حي الطائف شرقي الخرطوم، حيث كانت تشتهر محلات الفطائر الساخنة والدجاج المتبل بالكريمة، تنامت حركة المواطنين خلال الأسابيع الأخيرة، مع عودة ملحوظة للسكان، وهي المنطقة التي شهدت سقوط قذائف صاروخية في الأسابيع الأولى لاندلاع القتال، نظرًا لقربها من المطار والقيادة العامة للجيش والمراكز التجارية الكبرى.
الظلام يعم "ستوب الشرقي"؛ هكذا اشتهر باسمه بين السودانيين، وخاصة سكان الخرطوم. لكن الناس الذين تمكنوا من الوصول إلى منازلهم ووجدوها بلا أبواب بعد أن انتُزعت من الجدران، لا يزال يحدوهم الأمل في انتظام خدمات الكهرباء والمياه؛ طالما أن الأمن قد توفر، ولو نسبيًا، عقب وصول الجيش السوداني إلى المنطقة.
أما مباني الصليب الأحمر، التي عادت إليها البعثة في العاصمة السودانية مؤخرًا، فتعكس حكاية حرب شرسة وعنيفة لم تنجُ منها حتى البعثات الدولية المنوط بها حماية المدنيين
أما مباني الصليب الأحمر، التي عادت إليها البعثة في العاصمة السودانية مؤخرًا، فتعكس حكاية حرب شرسة وعنيفة لم تنجُ منها حتى البعثات الدولية المنوط بها حماية المدنيين، وكأن القتال يخرج لسانه ساخرًا من جميع الأطراف الدولية والمحلية على حد سواء.
وبينما يندد أعضاء البعثات الدبلوماسية ومنظمات الأمم المتحدة والفاعلون السياسيون السودانيون بالصراع المسلح، خلال اجتماعات جرت في أديس أبابا خلال اليومين الماضيين، بمناسبة دخول الحرب عامها الثالث، فإن ثمة شعورًا حقيقيًا بات هو الأقرب للواقع؛ شعور يتهم المجتمع الدولي بإدارة ظهره للسودانيين في محنتهم التي استغرقت نحو 1100 يوم.
1100 يوم ظلت فيها الطائرات المسيّرة تتصدر الفضاء السوداني، بدلًا من الطيران الناقل للمسافرين من وإلى مطار الخرطوم الدولي. وهي أطول عزلة من نوعها يعيشها السودان عن الملاحة الجوية الدولية من قلب عاصمته، مخلفةً وراءها قصصًا لا تنتهي من الفقد والانتظار.
قصص مأساوية بدأت فصولها صبيحة السبت، الخامس عشر من أبريل 2023، عندما داهم جنود الدعم السريع مطار الخرطوم الدولي، واقتحموا، تحت تهديد الأسلحة الفتاكة، مدرج الطائرات وصالات الوصول، محولين حركة الملاحة الجوية إلى حالة من الرعب والذعر.
الناظر إلى العاصمة السودانية الخرطوم من الأجواء يلحظ كيف بدأت الحياة تدب في أوصالها من جديد؛ فتلك الأضواء التي تبهر المارة في بعض الشوارع والأحياء والأسواق، والازدحام المروري الذي يملأ بعض الجسور، يبدو كمن عانق الحياة للتو بعد خروجه من "غرفة الإنعاش"
إن الناظر إلى العاصمة السودانية الخرطوم من الأجواء يلحظ كيف بدأت الحياة تدب في أوصالها من جديد؛ فتلك الأضواء التي تبهر المارة في بعض الشوارع والأحياء والأسواق، والازدحام المروري الذي يملأ بعض الجسور، يبدو كمن عانق الحياة للتو بعد خروجه من "غرفة الإنعاش". ولكن في المقابل، لا يزال استمرار الحرب يلقي بظلاله القاتمة على معيشة ملايين المواطنين، حيث تعمقت الأزمة الاقتصادية عما كانت عليه قبل اندلاع القتال.
وبعد مرور ثلاثة أعوام من الحرب، بدا السودان وكأنه انقسم إلى "شطرين"؛ الأول يقع تحت سيطرة الجيش السوداني في مناطق شمال ووسط وشرق وجنوب البلاد، بالإضافة إلى أجزاء من الناحية الغربية. أما الشطر الثاني، فيخضع لسيطرة قوات الدعم السريع، وكأن هذا النزاع المسلح يخط بريشته ملامح المرحلة القادمة في بلد لطالما طارده "خطر الانقسام" ولم ينجُ منه تمامًا.
الكلمات المفتاحية
"الترا سودان" يدخل مدينة الأبيّض.. معاناة إنسانية ومخاوف من تصعيد القتال
بات الحال في الأبيض غير ما ألفه الناس، واكتظت الشوارع بخيام النازحين، وتحولت المدارس إلى دور إيواء، وسيطر سيناريو الفاشر على الأذهان
هجمات التماسيح بالسودان.. هل تقف التغيرات البيئية وراء الظاهرة؟
ثارت حادثة مقتل مزارع شاب إثر هجوم تمساح في جزيرة "صاي" مخاوف المزارعين.. ماذا قال الخبراء لـ"الترا سودان"؟
بين الخوف وغلاء المعيشة.. كيف يعيش سكان النهود؟
بعد سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة النهود بولاية غرب كردفان، يعيش السكان أوضاعًا إنسانية بالغة الصعوبة
استعدادات مبكرة للمولد النبوي.. انطلاق أعمال تأهيل حوش الخليفة بأم درمان
بدأت محلية أم درمان، اليوم السبت، أعمال النظافة والردميات بحوش الخليفة، ضمن الاستعدادات المبكرة للاحتفال بالمولد النبوي الشريف
عقب هذه التطورات.. رفع إضراب المعلمين لمدة أسبوع في ولاية سودانية
يشكو المعلمون من تدهور كبير في قيمة الرواتب الشهرية مقارنة بتكلفة المعيشة في السودان
حكومة الخرطوم تقر بإنشاء غرف فندقية لاستضافة الوفود الزائرة
أكد بيان صادر عن حكومة ولاية الخرطوم أن التقارير التي وصفتها بـ"تبديد المال العام" تتجاهل تعاملها مع الخدمات الأساسية من خلال أموال بند الطوارئ التي تخصصها وزارة المالية الاتحادية.
السودان يطلق مشروع اكتشاف المواهب الكروية حول العالم
بدأ السودان أولى خطوات مشروع يُنتظر أن يشكل تحولًا في مستقبل كرة القدم الوطنية، بإطلاق المرحلة الأولى