ultracheck
رأي

"أبو لولو" كمرآة لعنف الدعم السريع

8 نوفمبر 2025
أبو لولو
أبو لولو
الفاتح محمد
الفاتح محمدكاتب من السودان

تجاوز ظهور المجرم المدعو "أبو لولو" في مقاطع الفيديو الأخيرة من الفاشر كونه مجرد واقعة دموية جديدة في سجل الحرب السودانية، الى كونه حدثًا إعلاميًا مُحمَّلًا بالرموز، استُخدم - بوعي أو دون وعي - لصرف الأنظار عن المنهجية الأعمق للعنف داخل الدعم السريع. فالمشكلة لا تكمن في شخص واحد ارتكب جرائم بشعة، وإنما في بنية كاملة من العنف الممنهج داخل هذه "المليشيا"، التي ورثت تاريخًا طويلاً من القتل والإفلات من العقاب منذ حقبة "الجنجويد". إن تركيز الرأي العام على "القاتل الفرد" يخلق وهمًا مريحًا بأن العنف مجرد استثناء، بينما هو في الواقع ممارسة راسخة ومتكررة.



"مهما حاولت قيادة الدعم السريع الإيحاء بأنها تحاسب بعض المتورطين مثل "أبو لولو" فالحقيقة أن هذه الجرائم متجذّرة في سلوك القوة نفسها وليست استثناءً من طبيعتها"

 

اختزال جرائم الفاشر وسائر مدن السودان في شخصية واحدة، مهما بلغت وحشيتها، يمكن اعتباره تضليلاً منظمًا يُقصي جوهر الحقيقة. ففي الأسابيع الماضية، انتشرت تسجيلات مرئية تُظهر عناصر من الدعم السريع يتباهون بعدد من قتلوا من المدنيين؛ أحدهم قال إنه قتل 115، وآخر 213. هذا النوع من التفاخر بالقتل لا يمكن تفسيره بدوافع شخصية فقط، ويعكس ثقافة جماعية تعتبر العنف وسيلة لإثبات القوة والهيمنة. ومهما حاولت قيادة الدعم السريع الإيحاء بأنها تحاسب بعض المتورطين مثل "أبو لولو"، فإن الحقيقة أن هذه الجرائم متجذّرة في سلوك القوة نفسها، وليست استثناءً من طبيعتها.

ومن هنا من حقنا أن نتساءل: لماذا تستمر مثل هذه الممارسات في مجتمعات محددة؟ وهل يمكن أن نجد تفسيرًا اجتماعيًا أو نفسيًا دون الوقوع في التحيز أو التعميم؟ ومن أين تُنتج هذه الثقافة؟ وكيف تُعاد صياغتها وتغذيتها باستمرار داخل منظومة العنف الكاملة؟

الإجابة تبدأ من الريف. في كتابه "جنجويد وحاكورة: الماركسية وصدأ الريف"، يذهب المفكر السوداني عبد الله علي إبراهيم إلى أن فهم الجنجويد - ومن بعدهم الدعم السريع - لا يتم إلا بالعودة إلى الشروط المادية والاجتماعية التي كوّنتهم. فهؤلاء لم يولدوا كمجرمين بالفطرة، بل خرجوا من رحم ريفٍ مُتآكل، تسوسه الفقر والحرمان وتضاءل سلطة الدولة. يسمي عبد الله هذه الحالة بـ"صدأ الريف" - أي تآكله البطيء تحت ضغط التهميش الاقتصادي والسياسي الممتد لعقود.

ففي دارفور، حيث الأرض هي جوهر الحياة، نشأت مؤسسة "الحاكورة" - أي نظام ملكية الأرض بالعرف القبلي. وحين بدأ الجفاف والتصحر، وازداد الضغط على الموارد، تحولت الحاكورة إلى أداة إقصاء، من يملك الأرض يملك القرار والشرعية، ومن لا يملك يصبح "غازيًا" أو "طارئًا".

فالجنجويد في نظر عبد الله علي إبراهيم هم نتاج هذا التنازع على الحواكير، في ظل غياب دولة عادلة ومؤسسات حكم محلي فعّالة.

ويدعو إلى استخدام الماركسية لتحليل كيف أن الريف المُهمّش بُني سياسياً واقتصادياً ليُنتج هذا "النهج"، وأن العنف ليس فقط ثقافياً أو قبلياً بل ناتج عن بنيات ممتدة من السلطة المركزية، الاقتصاد غير المتكافئ، وتقزيم الريف إلى هامش أو مصدر للنزاع.

لكن التحليل الماركسي وحده لا يفسّر كيف تحوّلت البنية الاقتصادية لهذه المليشيا إلى نمطٍ ثقافي للعنف. وهنا تبرز أهمية المقاربة السوسيولوجية، وخصوصًا نظرية التعلّم الاجتماعي التي ترى أن العنف سلوك مكتسب يُتعلَّم بالملاحظة والتقليد والتعزيز. فالمقاتل الشاب في البيئة المليشياوية لا يولد قاتلًا، ويتعلم القتل حين يرى رفاقه وأقرباءه اعتادوا وطبعوا مع ثقافة القتل والعنف، وأن سفك الدم أمر طبيعي ومستحب في بعض الأحيان. ومع مرور الوقت، يتحول العنف إلى قيمة اجتماعية، بل إلى "هوية جماعية" تُمنح من خلالها المكانة والاعتراف داخل المجموعة.

وفي هذا الإطار، يمكن الاستفادة من مفهوم إميل دوركهايم حول "الحقيقة الاجتماعية"، التي تفسّر السلوك البشري بوصفه نتاجًا لتأثير المجتمع أكثر من كونه قرارًا فرديًا. فالعنف في بعض المجتمعات الرعوية في دارفور وكردفان ليس نابعًا من طبيعة فطرية، ويمكن اعتباره سلوكًا اجتماعيًا موروثًا تفرضه البيئة والصراع على الموارد، ويُعاد إنتاجه عبر الأجيال من خلال ثقافة تُمجّد القوة والسلاح كوسيلة للبقاء في ظل غياب الدولة والقانون.

بهذا المعنى، يصبح العنف في منظومة الدعم السريع أكثر من مجرد فعل فردي، وإنما "حقيقة اجتماعية" تُمثل سمة عامة في حياة الجماعة، وتُعيد إنتاج ذاتها عبر بنية اقتصادية وثقافية متكاملة.

وفي المقابل، يمكن النظر إلى الظاهرة من زاوية التحليل النفسي الفرويدي، الذي يرى أن الإنسان تحركه قوتان متعارضتان: دوافع الحياة (الحب، البناء، الإبداع) ودوافع الموت (الكراهية، العدوان، التدمير). في ضوء هذه النظرية، يمكن فهم عنف المقاتل في الدعم السريع كتعبير عن صراعات داخلية مكبوتة، عن خوف أو شعور بالنقص أو فقدان للأمان، تتحول إلى طاقة تدمير خارجي تعوّض الإحساس بالضعف بالسيطرة على الآخر. وهكذا يلتقي التحليل النفسي مع الماركسي والسوسيولوجي، فكلها تشير إلى أن العنف نتاج شبكة من الحرمان والتنشئة والتكرار الرمزي.

إن هذه المقاربات الثلاث - السوسيولوجية، النفسية، والماركسية - تساعدنا على تفكيك الظاهرة دون الوقوع في التعميم أو العنصرية. فالحديث عن العنف في مجتمعات الرعاة لا يعني وصمها، بل محاولة فهم الكيفية التي صاغت بها الدولة والظروف الاقتصادية والسياسية ولاحقًا "المال الإماراتي" الموثق بعشرات التقارير؛ علاقة هذه المجتمعات بالعنف والسلاح. المشكلة ليست في الأصل القبلي، ولكن في السياق الاجتماعي والسياسي الذي جعل من المقاتل أداة في صراعات أكبر منه.

وهذا يفسر أيضًا كيف تمكّنت "الدعم السريع" من دمج ممارسات "الجنجويد" القديمة داخل مؤسسة تبدو رسمية، بل وحظيت بشرعية سياسية في فترة برلمان البشير. فالدولة نفسها استعارت من الريف أدوات عنفه، وأعادت إنتاجها كجزء من جهازها الأمني. بمعنى أن الجنجويد في حقبة تاريخية معينة لم يكونوا "خارج الدولة"، بل "ذراعها غير الرسمية" حين احتاجت إلى القمع السريع دون مساءلة. وبهذا يتحول العنف من سلوك متمرد إلى وظيفة داخل الدولة نفسها - فيصبح ما هو مجرم عرفًا، مشروعًا سياسًا.

وما حدث في الفاشر اليوم هو تتويج لهذا المسار. فالإعدامات الجماعية، الاغتصاب، الحجز مقابل الفدية، والتمثيل بالجثث - كلها نتائج لتاريخٍ طويل من التطبيع مع العنف، من دارفور إلى الخرطوم. لذلك فإن التركيز على "أبو لولو" بوصفه وحشًا معزولًا يطمس الحقيقة التي مفادها أن المنظومة كلها مبنية على فكرة أن القوة تمنح الحق، وأن العقاب لا يأتي أبدًا.

إن فهم جذور هذا العنف تعني تجاوزه عبر مساءلة شاملة لا تتوقف عند الأفراد، وتمتد إلى البُنى التي أنجبتهم، وأن دماء الضحايا لا يمكن أن تُنسى ما لم تُعالج في إطار عدالة انتقالية شاملة تحاسب الجناة وتنصف الضحايا وتتوج بإرساء قيم العدالة الاجتماعية.

·       المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
 

الكلمات المفتاحية

مواقع التواصل.jpg

كيف أثَّرت وسائل التواصل في تشكيل الصورة الذهنية لدى الشباب عن حرب السودان

لم تعد الحروب في هذا العصر تحدث في أرض الواقع فقط كما في السابق؛ بل باتت الشبكة العنكبوتية ساحة مهمة من ساحات الصراع لتشكيل الصور الذهنية للحرب،


ترامب.jpeg

السودان في مخيلة دونالد ترمب: صورة مشوشة أم انعكاس لواقع مأزوم؟

بدا البعض متفاجئًا ومستاء من الصورة التي قدمها الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن السودان في خطابه الأخير الذي أعلن فيه تبني قضية "السلام في السودان"، بعدما التقى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.


خالد عمر يوسف - القيادي في الحرية والتغيير.jpg

وماذا عن دقلو؟

أثارت ردة فعل المهندس خالد عمر يوسف في لقائه بإحدى القنوات التلفزيونية عند سؤاله و"ماذا عن دقلو؟" عقب حديثه عن وزير المالية جبريل ابراهيم - أثارت ردات فعل عديدة، ساخرة من تلجلجه في الإجابة، وإصداره لأصوات غير مفهومة قبل أن يتمالك نفسه، ليجيب أخيرًا بصوت مفهوم وواضح.


آثار الدمار - الحرب - الخرطوك.jpg

أهداف حرب 15 أبريل الخفية والظاهرة

ليس علينا التمهيد لمسألة أن الحرب في السودان واحدة من الخطط الاستراتيجية للقوى العالمية الغاشمة للعبث بالشرق الأوسط وإعادة هندسته، فالحرب وحدها تحقق عدة أهداف استراتيجية للنظام العالمي الجديد ورعاته.

الطقس.jpg
أخبار

الطقس: أجواء معتدلة نهارًا وباردة ليلًا في معظم أنحاء السودان

توقعت الهيئة العامة للأرصاد الجوية السودانية في تقريرها عن حالة الطقس اليوم السبت 13 كانون الأول ديسمبر 2025 أن تكون الأجواء معتدلة نهارًا باردة ليلًا في معظم أنحاء البلاد.

وسط الخرطوم
أخبار

حملات واسعة لإزالة المخالفات بوسط الخرطوم تمهيدًا لعودة النشاط التجاري

أطلقت محلية الخرطوم، اليوم الجمعة، حملة موسعة لإزالة المخالفات وتنظيم الأسواق في قلب العاصمة، شملت شارع عبد المنعم قرب صينية القندول وشارع الحرية وموقف "جاكسون" للمواصلات، في إطار خطة لإعادة ترتيب وسط الخرطوم وتهيئته لعودة النشاط التجاري والخدمي.


مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان
أخبار

مقتل شخصين وإصابة آخرين في استهداف طائرة مسيّرة لحي طيبة في الأبيض

استهدفت طائرة مسيّرة اليوم الجمعة 12 كانون الأول/ديسمبر 2025، حي طيبة جنوب شرقي مدينة الأبيض، حاضرة ولاية شمال كردفان، مما أسفر عن مقتل شخصين وإصابة آخرين.

الجيش السوداني_0.jpg
أخبار

هجوم بطائرة مسيرة على كوستي يسفر عن مقتل وإصابة عدد من عناصر الجيش

استهدفت طائرة مسيرة صباح اليوم الخميس 11 كانون الأول/ديسمبر 2025، مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض جنوبي السودان، مما أسفر عن مقتل وإصابة عدد من عناصر الجيش.

الأكثر قراءة

1
أخبار

وقفات جماهيرية مؤيدة للقوات المسلحة تُنظم داخل وخارج السودان


2
أخبار

برنامج الأغذية العالمي يعلن تخفيض حصص الغذاء في السودان بسبب نقص التمويل


3
أخبار

الأمم المتحدة: اتفاق مبدئي يسمح للوكالات الإنسانية بالدخول إلى الفاشر


4
أخبار

مناوي يرحب بالعقوبات البريطانية على قيادات الدعم السريع ويطالب بتوسيعها لتشمل حميدتي


5
سياسة

الخرطوم تستعد لعودة الوزارات.. بين أمل الإعمار وتحديات الواقع